على هامش فاعليات معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت، أعلنت القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية، فسَادَ لغط واسع، ليس أقل من ذلك الذي سبق إصدار النتيجة، لغط حول أسماء كانت متداولة للفوز بالجائزة الأولى لم ترد في النتيجة التي صدرت وحملت أسماء ستة فائزين هم، كما وردت حسب ترتيب اللجنة: جمال ناجي عن روايته «عندما تشيخ الذئاب»، ربعي المدهون عن «السيدة من تل أبيب»، ربيع جابر عن «أميركا»، عبده خال عن «ترمي بشرر»، محمد المنسي قنديل عن «يوم غائم في البر الغربي» ومنصورة عز الدين عن «وراء الفردوس». أما أعضاء لجنة التحكيم فهم: طالب الرفاعي (رئيساًً)، رجاء بن سلامة، سيف الرحبي، شيرين أبو النجا، وفريديريك لي كرانج.
معروف أن شائعات كثيرة سبقت هذه النتيجة، وتحولت إلى نميمة الوسط الثقافي العربي، بعدما عُوِّمت أسماء، وقيل إن النتيجة محسومة لها، ولا ضرورة لانتظار التحكيم. لعبة أضرت بكثيرين، وتسببت بتهم متبادلة.
قوائم
لاستيضاح ما جرى بالضبط في الاجتماعات الماراتونية التي حصلت، ومعرفة طبيعة الخلافات داخل اللجنة، التقينا رئيس اللجنة الروائي طالب الرفاعي. قال «ما هو مهم أن يكون واضحاً أن اللجنة عملت وفق لائحة معايير تم الاتفاق عليها بين جميع أعضاء اللجنة، منذ اليوم الأول لتشكيل اللجنة نهاية شهر نيسان الماضي، وأهمها الحبكة الروائية، الزمان والمكان في الرواية، بناء الشخصيات، التشويق والإمتاع والرؤى الإنسانية. ولقد جرى اعتماد هذه المعايير كأرضية لعمل اللجنة، وجرى الاستناد إليها في اختيار القائمة الطويلة، في اجتماع القاهرة، منتصف الشهر الفائت، بموافقة جميع الأعضاء».
ونفى الرفاعي أن يكون هناك أي خلاف بين أعضاء اللجنة طوال الفترة الماضية، وصولاً إلى يوم الاثنين 14 الجاري، حيث تم اختيار القائمة القصيرة. لكن كيف عملت اللجنة؟ وكيف كان أسلوب الانتخاب؟ وماذا حصل في الداخل؟ حاولنا أن نتحرى حقيقة ما جرى، قال رئيس اللجنة: «بدأت اللجنة عملها باعتماد أساس المناقشة المتفق عليــها. وهكذا اخترنا بالتصويت قائمة من ستة فائزين، لكن اعترض عليها بعض أعضاء اللجنة، ما حدا بي لفتح النقاش من جديد، وفسح المجال لنقاشات أوسع، وإعطاء المعــترضين فرصة الدفاع عن روايات يرتؤون أهمــية دخولها في القائمة القصيرة. وهكذا توافقت اللجنــة على التصويت للمرة الثانية، من أجل الوصول إلى قائمة مقنعة للجميع، لكن حين ظهور القائمة الثانية، المختلفة عن الأولى، بقي الاعتراض مستمراً».
انسحاب أبو النجا
لم يشأ الرفاعي تسمية المعترضين، إلا أنه أشار إلى شخص واحد، هو محور الاعتراض. اسم الشخص لم يبقَ سراً، فهو اعترض بعد الاجتماع عبر الإعلام، ونحن نعرف أن المصرية شيرين أبو النجا بقيت متمسكة بإدراج الروائية اللبنانية علوية صبح، وهي تستحق، في اللائحة. ومن هنا استمر اعتراضها.
بقي الاعتراض إذاً، ما اضطر رئيس اللجنة لفتح النقاش مرة ثالثة، «يمكن خلاله لكل عضو الدفاع عن رواية بعينها يرى ضرورة دخولها إلى القائمة القصيرة، وبعد ذلك جرى تصويت جديد لتحديد قائمة قصيرة من جديد، فأتت القائمة الثالثة المنتخبة مختلفة عن القائمتين السابقتين، وعاد الاعتراض نفسه ليتكرر، بسبب عدم تضمن القائمة لأسماء بعينها». يقول الرفاعي إن الاجتماعات استمرت لأكثر من سبع ساعات، ما سبب تعباً لأعضاء اللجنة، فاقترح «اعتماد آلية التصويت لحسم الخلاف، وتوافق الجميع على ذلك، وجرى التصويت وانتخبت القائمة القصيرة التي أعلناها، ووقّع الجميع على اللائحة الرابعة والنهائية التي أعلناها في المؤتمر الصحافي، وهي مختلفة عن القوائم الثلاث السابقة». أي أنه كل مرة كانت تختلط الأوراق، فتطير أسماء وتحط أخرى، ولم يطل الحذف أو الإضافة اسماً أو اثنين فقط، وإن كان الخلاف الأساسي ضيقاً.
وبالفعل تسلّمنا نسخة من التواقيع، وفيها توقيع أبو النجا نفسها. «انفض الاجتماع، وذهبنا إلى العشاء وكان الجو طيباً بين أعضاء اللجنة، وتعارفنا مع مجلس الأمناء».
لكن في الأساس ما الذي أوصل إلى هذا الخلاف داخل الاجتماع؟ بل مَنْ وراء تعويم أسماء لتُشَنَّ حملة ضدها فتحترق، وماذا وراء كل هذا اللغط الذي سبق انتخاب القائمة القصيرة؟ في رد الرفاعي: «ما هو مؤلم جداً بالنسبة إليّ هو هذا اللغط والتجريح الكبير الذي رافق مسيرة الجائزة، منذ إغلاق باب الترشيحات وتسريب أسماء بعض أعضاء اللجنة، وهو تجريح مسّ أشخاصاً أحمل لهم كل التقدير والاحترام، كالصديق جابر عصفور والروائية الصديقة علوية صبح، مثلما مُسّت الجائزة كجائزة، ومُست اللجنة بكامل أعضائها. التجريح واللغط أعتقد أنهما لم يكونا لصالح أحد لا داخل الجائزة ولا خارجها... كنت أظن أنه من الأفضل ترفّع الأدباء عن مسّ بعضهم البعض الآخر، خصوصاً التجريح الشخصي. ويهمني التأكيد أن محاولتي الكبيرة كانت إبعاد اللجنة عن أي تأثير بالرغم من صعوبة ذلك.
وماذا بعد؟ ما مصير اللجنة وانتخاب الجائزة الأولى؟ رد الرفاعي: «وفق قوانين جائزة البوكر العالمية، فإن اللجنة في الوضع الحالي سوف تكمل أعمالها بأربعة محكّمين، بعد انسحاب شيرين أبو النجا لاحقاً، لاختيار الفائز الأول، في بداية شهر آذار المقبل في أبو ظبي».