عقيدة الانتقام بحثاُ عن العدالة المفقودة
"الذاكرة كالسكين يمكن أن تؤذيك" ، هذه المقولة بني على أساسها فيلم "عودة هنيبعل Hannibal Rising" ، فقد استطاعت بضع مشاهد لجنود ألمان ابان الحرب العالمية الثانية يقتلون طفلة دون الرابعة من عمرها تدعى "ميشيا" أمام أخيها "هنيبعل" الذي لم يبلغ السادسة بعد ، ومن ثم تناولهم للحمها نيئاً أن تكون كافية لولادة قاتل استطاع ألم الذاكرة أن يطغى على ألم القتل واراقة الدماء: ويبعث النشوة للانتقام من ماضيه الذي لن ينسى أبداً بل سيصوغ الحاضر والمستقبل أيضا،
يقدم غاسبرد يوليل Gaspard Ulliel شخصية البطل القاتل "هنبيعل لكتر" الذي غيّبت مشاعره منذ مقتل أخته وجميع عائلته ليمارس لعبة الدم ببرود أعصاب وحياد مميت ، واذ يحاول الفيلم اخفاء أية خلفيات ثقافية أو فلسفية وراء تتبعه للجنود القاتلين جميعاً وقتلهم واحداً تلو الآخر ، إلا أن المشهد الذي جمع هانيبعل مع أرملة عمه "مارساكي" الذي قدمتها الممثلة غونج لي Gong Li أمام أيقونة الذبح (النبي ابراهيم وهو يحمل سكيناً لقتل ابنه اسحاق حسب الاسطورة التوراتية) ، يقدم أحد أهم المعاني الحقيقية النسق الثقافي للقاتل هنيبعل حيث يتساءل: هل أراد الرب أن يأكل اسحاق لذا طلب من ابراهيم أن يقتله ، فيأتي جواب مارساكي بالنفي مضيفة: "الملائكة تدخلت في الوقت المناسب"،
ان فلسفة القتل كما نراها في عدد من الأعمال السينمائية الغربية تتمثل في فكرة فلسفية كبرى هي احلال الانسان للعدالة المطلقة حينما لم يعد يراها مسؤولية السماء كما في السابق ، انما مسؤوليته التي سيحقق من وراءها الخير العميم والعدل المقيم، لذلك يكون العامل الثقافي والحضاري أكثر أهمية في ولادة قاتل كهنيبعل من تجربة انسانية خاصة خاضها البطل وإن كانت تؤكد هذا الطرح ولا تتنكر له.
لقد قدّمت الثقافة الغربية صورة آكلي لحوم البشر في السينما بوصفهم يتمتعون بالجاذبية والرقي والوسامة بحيث لا نشمئز من هذه العملية الهمجية ، كما في أفلام الذئب لجاك نيكلسون ، والمحارب الثالث عشر وغيرهما ليكرس نموذجاً أعلى لهذا المنتقم رغم صيحات الإدانة والاستنكار خارج هذا السياق.
من جهة أخرى ، فضّل المخرج بيتر ويبر أن يلعب على الأبعاد النفسية ليوحي بان أكلة لحوم البشر لن ينقرضوا فهم يتوارثون تلك الشهوة المدمرة وللإيحاء بذلك يعيد هنيبعل تمثيل المشاهد ذاتها التي قام بها الجنود الألمان أمامه وهو طفل صغير حيث أصبح يتلذذ بمنظر الدم على وجهه وجسده ويتذوقه بلذة كبيرة ونشوة لا تضاهى. 
وتذهب كاميرا المخرج بعيداً في البحث عن فلسفة القتل حيث يكتظ الفيلم بالعديد من المشاهد المريعة التي تتداخل فيما بينها مشكلة فضاء دموياً مولداً للقتل كمتوالية لا تنتهي ، فالجندي الألماني في بداية الفيلم يمضغ لحماً وينز الدم من فمه ، فيما الجزار الذي غازل مارساكي بوقاحة سيزرع السكين في بطن السمكة وينتزع احشاءها ويلقيها بطريقة استعراضية في البحر وكأنه يدل على البشر الذين يصدرون الموت براً وبحراً وجواً.
وسنرى تباعاً مهاجمة هنيبعل للجزار وتقطيعه بالسيف ومن ثم ينتزع رأسه عن جسده ويقدّمه قرباناً لمارساكي تعبيراً عن حبّه لها. وهنا تتقاطع غريزة الموت "العدوانية" وغريزة الحياة "الحب" بصورة سوريالية لكنها مقنعة ومؤثرة وخاصة عندما خاطب هنيبعل مارساكي وهو يقتل جندياً أمامها في نهاية الفيلم بكلمة: أحبك ، إضافة لذلك الرصد المثير للحالات النفسية التي ظهر بها القاتل في سعي لتقديمها بواقعية من دون أن يجنح الفيلم بأي شكل من الأشكال إلى مساحات خيالية ، فالواقع هنا أكثر اثارة،
إن الأجواء النفسية الرهيبة التي قدّمها "عودة هنيبعل" تشكل ابداعاً سينمائياً استثنائياً يحيل القتل إلى لعبة الجمال - في نظرة اشمل لهذا المفهوم - فالتشكيل البصري ممتزجاً بالموسيقى التصويرية كان هاجس المخرج في تصوير طفولة القاتل ورحلة عذابه ، سواء في مناظر الطبيعة والمنازل والوجوه الآدمية والأفق التي توحي جميعها بأن البشرية منذورة للقتل كل حسب شرعيته.
ومنذ اللحظة الأولى تدور الكاميرا على عنكبوت ينسج شبكته منتظراً فريسة ما ، ومن ثم سنرى الجزارين يقطعون لحوم الأبقار والسمك ، ومشهد هانيبعل وهو يقوم بتشريح حيوانات وأجساد آدمية وهو يدرس مادة التشريح في كلية الطب التي اختارها انسجاماً مع رغباته الكامنة ، ولن تنتهي بمشاهد القتل التي تظهر في كل واحد منها وحشية أكثر.

وفي سياق متصل ، ثمة إدانة واضحة للنازيين الذين مارسوا التنكيل والتعذيب في حق الشعوب الأوروربية ، وهناك أيضاً ادانة من نوع آخر للشيوعيين الذي يغذون ثقافة العنف وهو ما عكس الرغبات المكبوتة وكرّسها لدى هنيبعل ، فيما كان المحقق الفرنسي يؤمن بسيادة القانون في احقاق الحقوق وليس ياسخدام العنف من قبل الأفراد ، وهو توظيف سياسي تكرر طوال نصف قرن مضى من عمر السينما الغربية من دون الالتفات إلى الغرب نفسه وتوجيه النقد وفق المعايير ذاتها.
يذكر أن قصة "عودة هنيبعل" مأخوذة عن رواية شهيرة تحمل نفس الاسم للكاتب توماس هاريس وقد حققت هذه الرواية في وقت سابق أفضل الكتب مبيعات. أما الموسيقى التصويرية فهي لايلان اشكري Ilan Eshkeri وشيغيرو امبافاشي Shigeru Umebayashi.
|