حاورها بصنعاء: عبد الدائم السلامي
العرب اونلاين
عرفتُ الدكتورة آمنة النيرى من خلال لوحاتها الموجودة على أغلفة روايات وقصص بعض الكتّاب اليمنيّين التى أهدونيها. كنتُ مرّة أحتسى قهوتى وصديقى صالح البيضانى بفندق تاج سبأ، وإذا به يهمسُ إليّ "هذه هى د.آمنة النصيري"، ولم أدر من أين توفّرتُ على تلك الشجاعة التى جعلتنى أهبُّ إليها أُحيّيها، فحيّتنى بأجمل ما سمعتُ من لغة، وقدّمتْ إليّ زوجها وابنها غسّان وبعض الفنّانين التشكيليّين اليمنيّين. فى صبيحة اليوم الموالي، كنتُ أنتظرها لتُقلّنى بسيّارتها الفخمة إلى مرسمها بباب اليمن، وهناك انهالتْ عليّ الأسئلةُ وأصابتنى ديْخوخةُ الفنّ فكان هذا الحوارُ.
*
بم تقدمين نفسك إلى القارئ العربي؟
- لا أعرف كيف أقدم نفسى هل كناقدة أو فنانة تشكيلية أو أستاذة أكاديمية، لأن المجالات الثلاثة متكاملة ومحببة بالنسبة إليّ وكانت عن اختيار متعمد مني، وأميل إلى اعتبار نفسى فنانة تشكيلية.
* أنت تكونت خارج اليمن؟
- نعم. لفترة من الزمن، قضيت فترة فى الإسكندرية "مرحلة المدرسة" وقضّيت عشر سنوات بموسكو للدراسة بأكاديمية الفنون وتحضير الدراسات العليا فى مجال فلسفة الفنون وعلم الجمال.
* فى تلك الفترة، هل كان الواقع الاجتماعى اليمنى يقبل بوجود امرأة فى مجال الفنّ التشكيلي؟
- سُئلت فى كثير من الحوارات عن هذا الموضوع، وقد كنت من أُوليات الموجودات فى المناطق الشمالية قبل الوحدة، أريد أن أوضح أن المجتمع القبلى اليمنى التقليدى ذا الثقافة التقليدية ينظر إلى الفنون التشكيلية باحترام كبير، وتختلف نظرته إلى ممارسة المرأة للتمثيل والرقص والغناء، نظرة المجتمع إلى الفنون التشكيلية شبيهة بنظرتة إلى الكتابة والشعر خاصة، وقد وجدت كل التشجيع من المقالات والدعم حتى فى بداياتى حتى أنه كُتب عنى الكثير من المقالات، ولو صدقتها، لربما اعتقدت وقتها أننى فنانة كبيرة، بدأت بكتابة القصة القصيرة، إلى جانب الفنّ التشكيلي، وعُرفت بها فى ذلك الحين وصاحب ذلك كتابات نقدية كثيرة حول نتاجاتى القصصية، ولكن لم تكن جرأتى فى مجال الرسم مماثلة لجرأتى فى مجال القصة. وفجأة تحولت تماما عن الكتابة إلى ممارسة الرسم وعندما اتجهت إلى الدراسة الأكاديمية اخترت أن أدرس الرسم إلى جانب دراسة الفلسفة بجامعة صنعاء.
* هل ترين أن اللوحة أكثر حرية فى التعبير عن تفاصيل الواقع من القصة؟
- ليس هذا تماما، كنت أعتقد أنى سأمارس القصة والفن التشكيلى أى النص المكتوب والنص البصرى فى وقت واحد، لكن ما حدث هو أنّ اللوحة كانت أنانية جدّا، الفنون البصرية تأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الفنّان ومن ثمة لم يتبق عندى وقت للكتابة، واعتقد أنّ اهتماماتى السردية استنفدتها اللوحة كما أن فى اللوحة كثيرا من الطاقات السردية التى كانت عندي.
*
ثمة تزاوج بين الأجناس الإنشائية داخل لوحاتك؟
- طبعا، نحن نتحدث أحيانا عن "ثرثرة" العناصر داخل اللوحة، عن السردية داخل اللوحة، عن المنحى الأدبى فيها، فاللوحة تجمع معظم أشكال الفن كالإيقاع والهارمونى والشعر وهنا يمكن التحدث عن الشعرية والرؤية الفلسفية وعليه أقول إنى استنفدتُ اهتماماتى الأخرى داخل العمل الفنى باستثناء الفعل النقدي.
* هل يمكن القول إن اطلاعك على المناهج الفلسفية مكنك من الفهم الدقيق لمعنى الفن؟
- هذا صحيح إلى حد كبير، أتصور أنى محظوظة جدا لكونى درست الفلسفة أولا ودرّسْتُها. الفلسفة تمنحك ميْزتيْن مهمتين أولاهما أن تأخذ الأشياء بباطنها لا بظاهرها أى أن تدخل الجوهر العميق للأشياء دون الاكتفاء بخارجها، وثانيهما أن الفلسفة باعتبارها دراسة للكليات، تمنحك الرؤية للأشياء من بعدها الكلى لا أن تستغرق وقتك فى جزئياتها وأن تنظر إلى الحياة فى جوهرها وفى عمومها بالمعنى الفلسفي، وأن تعرف أن الزمن لا يتوقف عند حد معين، وكل يوم يأتى بجديد وهذا يمكّنك من فهم العالم بشكل أفضل وفى نفس الوقت يمكّنك من الغوص فى العمل الفنى بشكل أفضل من خلال دمج الرؤية الجمالية بالرؤية الفلسفية، أى عدم الفصل بين ما هو جمالى "الصورة" والمضمون، ما بين رؤيتك للحياة وموقفك الجمالي.
* المعروف أن الإنسان اهتدى دون وعى إلى الطبيعة لنحْت مُتخيّله فى شكل قوى تحميه. هل مازال بإمكان الفن أن يوفر للإنسان الحماية من خوفه فى عصر الرّهاب العام الذى نعيش؟
- أعتقد أنه لا توجد وسيلة أخرى للتعبير عن أحلامنا وهواجسنا ومخاوفنا سوى الفن، اليوم تزداد أهمية الفن رغم طغيان الجوانب المادية وتغيُّر المفاهيم والتطور التكنولوجى الذى قد يقف فى صراع مع الأشكال التقليدية للفن لكن فى الأخير أعتقد أن الإنسان سيصنع فنونه التى تُناسب زمانه ومكانه ولن يتخلى عن الفن باعتباره وسيلة جيدة للحلم وللتغلب على الضعف.
اليمن جزء من هُويّتى الفنيّة
*
هل تعتقدين بأنّك محظوظة بوجودك فى اليمن السعيد وبخاصة فى صنعاء؟
ج- كان اختيارى الأول العيشُ فى اليمن رغم الفرص العديدة التى توفّرت لى للعمل خارج اليمن، أنا سعيدة فى بلادى لأنّ علاقتى بالمكان موجودة فى داخلى باعتبار المكان جزءًا من هُويّتي، لا أنظر للمكان نظرة سلبية فقط مثل التخلّف الاجتماعي، الفقر، الاضطرابات السياسيّة، بل أنظر إليه من زوايا أراه منها جميلاً فاتنا فيه كثير من الحُلْم والتاريخ والآتي، اليمن فى اللوحة حياتى رغم يقينى بأنّ ثمة صعوبات مرتبطةً ربما بالوضع الاقتصادى أكثر من غيره أعاقت وقد تُعيق تقدّم الفنّ التشكيلى فى اليمن لأننى مثلا بالنسبة إليّ شخصيًا أضطرّ أحيانًا إلى أن أبذل جهدا مضاعفا لإنجاز مهمّتى الفنية بعكس ما يكون عليه الأمر لو كنتُ فى دولة عربية أخرى. من ناحية ثانية انتهى غياب المقتنى المحلى أو كاد، وهذه إشكالية بالنسبة إلى الفنان التشكيلى فى اليمن لأن الفئة الثرية تختلف عن مفهوم الفئة الاستقراطية. نعنى بالأستقراطية ذاك التراكم الثقافى الذى يمنح عادة التعاطى مع العمل الثقافي، لكنّها هنا لا تزيد عن كونها عيّناتٍ مكافحةً شكّلت ثروات فى وقت زمنى قصير فلا تمتلك الثقافة الكافية للتعاطى مع العمل الفنى أو التداول بالعمل الفني. من جهة أخرى أقول إنّ اليمن باعتباره بلدا نوعا مّا مغلقا تجربة الانفتاح على المحيط العربى تبدأ متأخّرةً. وهذا يجعلك أيضا تقوم بجهد مضاعف لكى تجد لك مكانا فى العالم العربى وفى المشاركات الدولية لأنك لا تعمل مع مؤسسات كبيرة، مثلا لا توجد مؤسسات مثلما هى موجودة الآن فى دبى تتولى أعمال الفنانين وعرضها فى قاعاتٍ كبيرة ذات إمكانيات تقنية متطوّرة وبأسعار كبيرة، فالفنان يقوم بهذه الأعمال كلها بجهد فردى وأعتقد أنّ تحقيق النجاح بالنسبة إلى الفنان التشكيلى اليمنيّ أصعب بكثير من تحقيق نفس النجاح فى أى مجتمع آخر.
* حينما نتمعّن تيمات اللوحات التى ترسمين نجد فيها نوعا ما ألوان الأرض، ألوان اليمن. هل يمكن ردّ هذا الشيء إلى تمسكك بالمكان كما ذكرت الآن أم إلى سعيك إلى خلق فضاء مكانى جديد أو يمن جديد كما تتصورين؟.

- باستثناء الفن الشعبى البصري، ربما لاحظت أن اليمن بلد غير ملون إنه بلد ترابيّ نوعًا مّا بسبب الجفاف وسبب طبيعة الحجر ربما أيضا ولأنّ الأبنية فى أغلبها حجرية أو إسمنتية فى المناطق العشوائية فإنّى أحاول أن أعوّض هذا الغياب باللون. أعتقد أننى أعيد رؤية المكان وصياغته بشكل مختلف حتى أعيد إليه الحيوية، نحن نعرف فى الفلسفة ما يقال عن أن الفنان يكمل النقص الموجود فى الطبيعة، أنا لا أعتقد أن المسألة مجرد استهلاك المشهد المكانى وإكمال النقص وإنما هى إعادة صياغة المكان مرة أخرى. سألنى ناقد فى إسبانيا وسألنى ناقد قبله فى دولة أوروبية أخرى ما سرّ هذه الصياغة اللونية فى لوحاتك وهذا الأسلوب هل هو أسلوب موجود فى التجربة التشكيلية اليمنية أم أنه أسلوبك الخاص؟ فشعرت بالسعادة لأنه لمح هذه الخصوصية بالتجربة وأنا أعتقد أننى لا أشبه أحدا فى اليمن وهذا الشيء يسعدني.
مثلا أنا أرى كثيرا من الناس يعرفون لوحاتى دون أن يقرؤوا توقيعي. هذا معناه أنك اقترحت نفسك كذات متفردة بالنسبة إلى تجربتك حتى ولو كانت هذه التجربة بحاجة إلى الكثير من التطوير، أقصد أنى حققت هذه المعادلة إلى حدّ مّا. فعندما يسألك شخص مشتغل فى الفن فى الخارج وهو مطلّ على التجارب التشكيلية العالمية "هل هذا التراث يمني" فى هذه الحالات أشعر بالسعادة لأننى كفنانة ربما حققت هذه الصورة وأعطيت صياغة لونية مختلفة عمّا هو سائد لأننى ربما قبل وقت طويل كنت مشغولة بمجرد السائد فى العالم على الصعيد التشكيلى حتى لا أكون أقل من أيّ فنان عربى أو غربيّ "وهو شعور بالدّونية فى ذلك الحين" ثم اكتشفت فيما بعد أننى لست بحاجة إلى ذلك وأننى يجب أن أكون حريئة فى طرح نفسى حتى لو بدوْت فطرية أو بدوْت فى صيغة أخرى مغايرة لما هو موجود وكانت البداية فعلا العودة إلى الفن الفطرى وفنون الأطفال فى مرحلة من مراحلى وهى المرحلة التى شهدت فيها فنون "المُلْصق" توهُّجًا إبداعيًّا ثم اكتشُ أنها ليست سوى تجارب وأننى اتجه إلى تعقيد تجربتى فى المهرجات الدولية المختلفة حتى توصلت الآن إلى الصياغات التجريدية الخالصة.
*
الملاحظ أن أغلب، الفنانين التشكيليين العرب يقصدون عواصم الغرب للبحث عن أغذية تخييلية للرسم أو للمعيش الفنى لكنّ الذى لاحظتُ أن فى مدينة صنعاء كثرةً كثيرةً من المبدعين الغربيين سواء من ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا تركوا تلك العواصم التى يتوجّه إليها الفنانون العرب وقصدوا صنعاء وصاروا مواطنين من صنعاء فعلا. كيف تفسرين هذا الـparadoxe أو هذه المفارقة؟
-هى قصة مجتمعات. أنا لا أريد أن أتحامل على الفنان العربى والفنان اليمنى لسبب بسيط أن هذه المجتمعات قاسية فى تعاملها مع الفن بمعنى أن الفنان يواجه صعوبات كثيرة ولا أريد أن أقول أن يظل الفنان "دون كيشوت " يحارب طواحين الريح، ولكن المسألة أنهم يجدون ترويج أعمالهم وتسويقها فى الخارج أسهل بكثير من هنا. ولديهم عائلات ولديهم أطفال يريدون أن يعولوهم. لكن لماذا يأتى الفنان الأوروبى إلى هنا؟ مجيء الفنانين الغرب إلى مدننا العربية أرجعُه إلى تلك "الحالة الاستشراقية" الدائمة. إن هذه المجتمعات تظل خصبة جدّا بالنسبة إلى الفنان الأوروبى ونحن نعلم اليوم مثلاً ما فى ألمانيا من حركة كبيرة جدّا للعودة إلى ثقافات قبائل الفايكنغ أو القبائل الأوروبية القديمة وهى نوع من محاولات إحياء عناصر جديدة فى الفن أو بعث روح جديدة فى الفن لأن فنون هذه القبائل محدودة وفقيرة فهى لا تشبعهم فيأتون إلى مجتمعات أكثر خصوبة من المجتمعات الغربية مثل الشرق عموما ونحن نعلم أن كل المدارس الأوروبية التى بدأت فى نهاية القرن18 ومرورا بالقرن 20 حتى نهايته قامت على أسس وعلى فنون من كل العالم من الشرق ومن الفنون البدائية وفنون الأطفال ومن الفنون الإسلامية وتطوّرت واستقام عودُها على هذه المنابع. أقصد أن الفن دائما بحاجة إلى منابع جديدة ومصادر جديدة.
لهذا السبب أنا لا أؤمن على الاطلاق بما يقال من أن الفنان العربى اليوم يأخذ من التيارات الغربية لأنّ فى الغرب ليست لهم هذه النظرة المحدودة للفن فهم ينظرون إلى الفنّ باعتباره تركة انسانية واحدة ولهذا السبب يطورون فنونهم بالتعاطى مع مصادر فنية أخرى بينما نحن إذا وجدنا فنانا تجريديا نقول إنه يقلّد الغرب:إذا كان تكعيبيا فإنه يقلد بيكاسو وإذا كان كذا فإنه يقلد فلانًا... لكن الإشكالية بالنسبة إلى الفن العربى اليوم ليست فى تقليد التيارات المعروفة ولكن فى مجاراة التطور التكنولوجى والتجريب على التكنولوجيا حتى وإن لم نفهمها بعد. مثلاً أنا أجد كثيرا من الفنانين العرب تقليدين فى أعمالهم التشكيلية والتيارات التى يشتغلون عليها مثلا هناك تجريديون، ولكن أعمالهم تقليدية وفجأة تجدهم يصنعون أعمالا فراغية أو vidéo art أعمال فيديو أو performance وعندما تشاهدها، تجدها فارغة. أنا لست ضدّ التجريد فى الفن ولا ضدّ التجديد أيضا. قد شاهدت أعمال فيديو عربية جميلة جدّا وعميقة وشاهدت أيضا أعمالا فراغية غاية فى العمق وحاذقة فى الإخراج لكنّ هناك فنانين لا يمتلكون المعرفة الكافية بالتيارات والفنون التقليدية لكى ينتقلوا إلى هذه الخطوات الجريئة. أقصد أنّ المسألة تكمن أحيانا إمّا فى الاحساس بالنقص أو فى مجاراة السوق العالمية.
* هل تذهبين إلى القول مع القائلين بأن اللوحة التشكيلية هى ملْءٌ لخُواء العالم؟
-نعم، إلى حدّ كبير، ليست فقط اللوحة ولكن القصيدة والرواية. الإبداع عموما هو ملء لهذا الخُواء فى العالم. عندما تبدأ الروح فى الضياع والتيه لا تجد الأمان إلا داخل العمل الفنى والملاحظ جميعا فى حالة القلق والأرق نقرأ عمل الفنان. إما نقرأ الشعر والرواية أو القصة أو نتأمل ألبوما تشكيليا. أقصد أن الفن يمنحك هذه الحالة من الاستقرار الروحى وإعادة التوازن وهذا ليس كلاما نظريا فقط وإنما هو حقيقة. العالم يعيش تناقضات حادة جدّا يعيش حالة من التطرف على جميع الأصعدة، يعيش زعزعة عقائدية وتضليلا عقائديا وانتشارا للحركات للمتطرفة ليس فقط على المستوى الإسلامى ولكن هناك تطرّفا مسيحيا وتطرّفا يهوديا وبوذيا وهندوسيا وما إلى ذلك. فى ظل هذه الصراعات الحادة وفى ظلّ تسارع الحركات الاقتصادية وظهور العولمة بحدّة والتهديدات بحروب نووية كلُّ هذا أفقد الانسان الإحساس بالأمان يعنى أفقد المواطن العولمى اليوم الأمان كما يقول Frédiric holiday ولهذا السبب يكون الفن مهمّا جدّا لإعادة التوازن فى الحياة. الفن ربما يمنح الانسان هذه النظرة التأملية وأيضا يعيد أو يكرّس النواحى الجمالية يبدو أننا بدأنا نفتقدها فى إحساسنا تجاه العالم.
* الفن والحياة يعنى الفنان يقضّى الليل بكله والنهار بكله من أجل إبداع شيء مّا. ألا يكون هذا على حساب حقوق جسده فى الحياة؟
-على حساب أشياء كثيرة. أتصوّر أن الفنان الجادّ الذى يمتلك مشوارا حقيقيا لا بدّ أن يفقد أشياء كثيرة فى حياته وهذا ما أسمّيه ضريبة الفنّ، ضريبة العمل. كل وظيفة وكل مهنة وكل حرفة فيها ضرائب متعدّدة. فالتجربة الإبداعية تأتى على حساب الشخصيّ فى نواح كثيرة جدّا، فأنت تُضطر أحيانا إلى تغييب الكثير من الجوانب فى حياتك كى تتفرّغ إلى جوانب أخرى ربما أحيانا جوانب اجتماعية وعاطفية حتى... فالإخلاص للتجربة مهم جدا بالنسبة الى الفن. الجانب المادى يدخل أيضا فى هذه المسألة، إذا كنت صاحب مشروع جادّ لا تهمّك السوق ومعاييرها لأن السوق للأسف اليوم دخلت بقوة حتى إلى الساحة الإبداعية وبالذات ما تعلّق منها بالفن التشكيلي. فإذا كنت تمتلك مشروعك يجب عليك أن تطرح هذا المشروع بجرأة حتى ولو خسرت الكثير فالإبداع فى مقابل خسارة كثيرة هذه حالة مطروحة وأعتقد أننى مؤمنة بها جدّا، مؤمنة بها وأعانيها. لأننى مثلا أعرف سلفا ما يُقتنى من أعمالي، أعرف ما هو المطلوب من أعمالى وما الذى يمكن أن يُقتنى منها، كانت لا تتبقّى من أعمالى قبل سنوات لوحة واحدة بعد المعرض.. ولكنى تحوّلت إلى تجارب أخرى أعى تماما أنها غريبة عن المواطن العربى أو أن المواطن العربى لم يزل فى حالة من الوعى لا تسمح له باستيعاب هذا العمل. أنت تدرك سلفا أنك لن تبيع مثلا ومع ذلك تصرّ أن تطرح مشروعك إذن هناك خسارات.وهى خسارة جميلة طبعا وهى مطلوبة لأننى أعتقد أن تكسب فى جميع الاتجاهات على جميع الأصعدة وأن تظلّ فنانا...... معادلة لايمكن حلّها.
*
فى تجربتك الفنية، هل لاحظت أن ثمّة تداخلا بين الفن والسياسة وأيّهما يخدم الآخر؟
-دائما هناك علاقات شائكة جدّا بين السياسى والفنى والإبداعي. السياسى دائما يفيد من الثقافى والإبداعي، دائما يفيد ويوظف الإبداع والثقافة فى مشروعه ولكن مع الأسف فإنّ السياسيّ لايخدم الإبداعيّ. أنا دائما أتصوّر أن الفن الذى يقترب من السلطة يحترق سريعا وأن يظل عارضًا ومؤقتا ويزول بزوال السلطة التى كان يشتغل عليها ويشتغل معها. الفن أساس شروطه هى الحرية والحرية الكاملة. فالسياسى يغصب عليك كثيرا من القواعد والمعايير والقيود فكيف ستصنع فنا حرّا؟ لهذا السبب أعتقد أن السياسى يفيد كثيرا من الإبداعى لكن على النقيض السياسة تنتقص من الإبداع إذا ما اقترب الفنان من السلطة.
* وأنا قادم إلى صنعاء إلى هذا المكان الذى ألتقيك فيه، لاحظت أنك تخيّرت ركنا من مدينة صنعاء القديمة وأحدثت فيه معرضا أو ما يسمّى بمدرسة فنية تشكيلية صحبة بعض طلبتك من خريجى الفنون التشكيلية. هل وجدت دعما من قبل سلطة الإشراف الثقافية فى هذا المجال؟
-حتى لا أهضم حقوق زملائي، نحن ثلاثة: أنا وطلال نجار ومظهر نزار "وأنت تعرف مظهر نزار"، نحن نقدم ثلاث تجارب مختلفة تجمعنا فكرة الفن المعاصر وبعض الصياغات النظرية لكن على المستوى الأسلوبي، لكل منا شخصيته الفنية. إن الـatelier، سمّيناه atelier الباب مؤخرا تأسس منذ أكثر من ستّ سنوات، حقّق حضورا غير عادى فى أوساط الفنانين والمهتمين بالفنون فى اليمن، حتى أنّ الـ atelierأصبح حلقة للتواصل مع المثقفين اليمنيين والعرب وكل من يقدم إلى اليمن. أصبح إحدى المدارس المهمة بصنعاء القديمة، فقد كانت الإشكالية الأساسية أن الفنان التشكيلى معزول عن بقية حركات الثقافة فى اليمن، عن الأنماط الأخرى من الفنون فى اليمن فى الشعر والقصة والنقد والتنظير. لكن بعد أن أسّسنا الـ atelier أصبحنا نتواصل دائما فيما بيننا وبين مختلف أشكال الدعم ومختلف الكتاب والشعراء. من جهة أخرى فإنّ التواصل بيننا وبين الفنانين الشبان مكّن فى سنوات قليلة من أن يصبح لدينا تلامذة وأجيال من الذين يعترفون بتأثير تجارب الفنانين الثلاثة عليهم. اختيار المكان مسألة مهمة حدّا. بصنعاء القديمة قرب مدخل "باب اليمن" "ولهذا سميناه به" atelier الباب، أصبح بعدا رمزيا، ويحتمل أبعادا فنية أخرى لأن الباب فاتحة لدخول أشياء كثيرة. أظننا بوجودنا فى باب اليمن نحاول أن نعطى رسالة بأننا نربط فى تجربتنا التشكيلية ما بين هذا التراث الأصيل المتنوع وما بين الصياغات المعاصرة الموجودة فى العالم والرؤى الجديدة.
* نحن نعرف أن لكل باب عتبة، هل ثمّة عتبات اعترضت إنشاء هذاatelier؟
-أنت سألتنى منذ قليل هل وجدنا الدعم من المؤسسات الرسمية المعنية بالنشاط الإبداعى والثقافي، الحقيقة أننا لم نطلب أى دعم من أحد. لقد قررنا أن نكون مستقلين بمعنى الكلمة، بمعنى أننا لا نطلب أى تشجيع أو دعم معنوى أو مادى من المؤسسات ولم نتقدم بأى مشروع نطلب فيه تمويلا من الخارج. نحن نعتمد على إمكاناتنا الخاصة فى تغطية كل النفقات ومشاريع الـatelier ، العقبات التى واجهناها هى عقبات مادية غالبا، مثلا عندما نستضيف فنانين أجانب فنحن نحاول أن نوفر لهم مثلا أماكن الإقامة، تكلفة الألوان، المواد، الخامات التى سيشتغلون عليها، أمكنة العرض وما إلى ذلك، لكن بأقل التكاليف. نجحنا فى إقامة ورش مهمة جدا، ورش عمل مشتركة مع فنانين أروبيين وعرب.
* كم من مرّة زُرْت تونس؟
-حقيقة مرّة واحدة وكانت زيارة إلى سوسة. عندما شاهدت تونس فهمت لماذا تحدّث الفنانون الأوروبيون عن تونس كمؤثر قوى فى أعمالهم الفنية. هم تحدثوا تحديدا عن الفضاء والمكان فى تونس وليس فقط. تونس تمتلك تراثا بصريا غنيا جدا فى مجال الفنون الشعبية والإسلامية والحرف أيضا، ولكن هم تحدثوا عن الفضاء والمكان بشكل خاص مثل بول كلاى وماتيس وغيرهما. أنا أعتقد أن المكان واضح جدا فى تونس. مثلا أنا لم أشاهد بحرا محددا مفصولا عن السماء إلى هذا الحد مثلا زرقة البحر هذه التى لو كانت collage مقصوصا، "ورقا مقصوصا" تنفصل عن السماءإلى درجة أنّنى كنت أقول إلى زملائى الفنانين أنه لو أن فنانا رسم هذا المشهد لاعتُبر هذا المشهد تزيينيًّا ولن يصدق أحد أنه موجود بهذا الشكل، فالمشهد نظيف وواضح ولا توجد تلك الضبابية على الاطلاق فى المشهد التونسى وفى المكان التونسى أيضا أنواع من التى تتراوح ما بين الأزرق الحاد والأبيض النظيف النقى جدا ولون التربة الأصفر كثيرا، هذا الوضوح اللونى مع ضوء الشمس يجعل من المكان التونسيّ متفردا للغاية ولا أستطيع أن أنسى كيف كنا نصعد إلى بعض الأماكن فى سوسة مثلا، كيف كنّا نصعد باتجاه السماء. المشهد صاعد وكأن فيه روحانية عجيبة. أيضا تونس، أعنى مدينة تونس القديمة، تمثل فضاء أسطوريا فيه عبق الشرق بمعنى الكلمة. أنا أعتقد أن روح الشرق موجودة بصنعاء القديمة وفى تونس القديمة أيضًا. أيضا الحركات الصوفية هى من المؤثرات التى لا يمكن أن ننساها، الحركات الصوفية والغناء الصوفى والرقصات والأشعار، أنا أتصور أن تونس إحدى البلدان التى تعيش هذا الجو الصوفى وتعيشها حتى فى ظل هذه التناقضات الحسية فى الحياة الخارجية. إنها تعيش جوّا صوفيا عجيبا.
*
دكتورة آمنة، أسعدتنا بهذا الحوار وأريد أن أختم بسؤال حول علاقة هذا الهمّ الفنّى بما يسمّى الآن بالفوضى الخلاقة وبهذه الحروب، كيف يمكن للفنان أن يحدّ من صلف أصحاب الحرب وأباطرتها؟
-مع أننى أجد هذه الحقيقة قاسية، يعنى بدءا من الإرادة والقوة والتغييرات العظيمة التى يجب أن تسبق كل فترة جديدة كما يُفسّرها نيتشه، أرى أنّ أى فنّ جديد لايمكن أن يظهر إلى من خلال تغييرات جديدة والتغييرات الجديدة لا يمكن أن تنشأ دون دمار وهذه مسألة شديدة القسوة، مرورا بكثير من النظريات حتى نظريات الحرب العادلة مثلا وحتى نظريات الفوضى الخلاقة. أعتقد على الرغم من قسوة التعبيرات والمصطلحات إلا أنها حقيقية مع الأسف، ولو قرأنا التاريخ سنجد أن كل نهاية مرحلة ظهرت فيها حالة من الفوضى انتهت بدمار عظيم وظهور مراحل جديدة. ما يخيفنى أنا كإنسانة اليوم أننا على شفا هذا الدمار. أن العالم كله، أنا لا أتحدّث عن اليمن أو عن العالم العربى فقط أنا أتحدّث عن العالم كله. نحن نعيش مرحلة الفقدان الكامل لأمان، مثلا تنام على أخبار الدمار ومشاهد العراق والأشلاء المقطعة والانفجارات وقصص الارهاب ثم تسمع عن الكوارث مثلا 100 ألف شخص يموتون فى زلزال واحد وتشاهد الأنقاض. العالم يُدمّر بالطبيعة وبفعل الانسان ويُدمر أكثر بفعل الانسان مع الأسف، ثم تصحو وأنت تتذكر ما حدث بالأمس حتى تجد أمامك صورا جديدة لدمار جديد وكأن هناك سلسلة من الدمارات لا تنتهي. نحن فى انتظار تغييرات ستكون كلية فى العالم، إذ يقول المحللون الاقتصاديون والسياسيون إن الصين دولة عظمى قادمة ستسود العالم، ولكن هل سيحدث هذا فى حركة سلمية أم أن الدول القديمة أو الأنظمة السياسية التقليدية ستبقى مكتوفة الأيدي؟ هل ستترك المكان بسهولة للقوى الجديدة؟ أنا لا أتصور ذلك. لن يحدث هذا دون دمار ولكن ربما كما ذكرت لك كما بدأنا ننتهى فى هذا الحوا، إن الفن سيظل شاطئ الأمل الوحيد بالنسبة إلينا.
ما هو دور الفن فى هذا كله؟ أنا أعتقد أنّه كلما احتدّ الصراع زاد دور الفن. ونحن نعلم كم هو مهم دور الفن فى كل الصراعات حتى أنه كان الوسيلة الوحيدة للحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالي. الناس يقاومون فى الحروب بالفن وتذكّرْ معى كيف استخدم العرب الأناشيد والأهازيج فى المعارك التى خاضوا، كانت أشعار النساء ودقّ الطبول وغيرهما وسيلة لزيادة حماسة المجاهدين. إن الفن هو الوسيلة عندما يشتد الصراع وعندما يبدأ الدمار. هو الوسيلة الوحيدة للدفاع عن الروح الانسانية ربما هو لا يدافع عن الحياة بشكلها الحسى ولكنه يستطيع أن يدافع عن الروح الانسانية حتى من الدمار يعنى ما يصيبنا من الداخل من دمار. ربما الفن ينعشنا مرة أخرى ويشعرنا أنه ما تزال فى العالم أشياء جميلة، مازال فى العالم جمال مازالت هناك أشياء كثيرة تستحقّ الحياة.فأنا لا أجد هذه الحالة إلا فى الجنون، فعندما تهجم عليّ الكآبة نتيجة أحداث شخصية أو خارجية مرتبطة بما يحدث فى العالم، لا أجد الملاذ إلا فى قراءة قصيدة أو فى سماع موسيقى أو فى الرسم. أعنى أنّ الروح ستظل مجهدة ومهددة من كلّ ما يحدث فى عالمنا الراهن، لكن الفن هو الوسيلة الوحيدة، أقول ذلك وأنا واثقة من هذا، لدعم الروح ومنعها من الانهيار.
لوحات الفنانة نقلا عن موقع