جوائز العرب ومهرجانات العرب ونفاق العرب وتخريب الثقافة والعلوم!!
الأربعاء , 2 ديسمبر 2009 م
هاتف جنابي من وارشو:
منذ عشرات السنين نقرأ ونكتب ونعلق على الأحداث ونتابع ونرصد ما يجري في الأوساط الثقافية والأكاديمية والسياسية العربية قبل كل شيء. ننتمي إلى فئة المغلوب عليهم ولا الضالين. نسعى لفتح كوة في عالم مظلم ظلامي منهوب مع سبق الإصرار والترصد، منكوب بتسطيحه للأشياء والأحداث، مستوفٍ لشروط الأمية بكافة أشكالها ومنها ما أطلقت عليه ذات مرة "الأمية الثقافية"، سادر في جهله، لسذاجته يضحك عليه من هبّ ودبّ، يكفي أن تضع أمام اسمك حرف الدال أو حرف العين أو أن" تعرف من أين تؤكل الكتف" وستنفتح أمامك المطارات والصحف والمجلات والحسابات البنكية والحور العين. بعدها ستغرق في نهر، بحر، بله محيط من تذاكر السفر وسيكتبون عنك في هذه الصحيفة الملونة وتلك ويعملون معك مقابلات في هذه القناة وتلك، فتصبح بطلا قوميا ومبدعا لا تضاهى لا يمكن أن يقرأك سوى من مثلتَ بهم. أمة عامرة بعرّابي التزكيات الأدبية والكرنفالية، ممن يجترون أنفسهم وإن أتوا بالجديد فهو المسروق والمهجّن. أمة الديناصورات السادرة في وهم العظمة(بالمناسبة هذه الديناصورات تعرف قدرها جيدا ولجهل الجاهلين وفداحة خطب العمى المهيمن- بعد هيمنة رب العالمين بدرجة- تراهم يزفون إلينا "جديدهم" المنحول فتصفق لهم غالبية المغلوبين على أمرهم). أقول: هؤلاء الذين يعرضون عضلاتهم النقدية أو الصحفية، وفراستهم الفكرية وقدرتهم الشاملة على لمّ خيوط المعرفة إن وضعتهم في بيئة أخرى غير عربية تعرف كيف تفكر وتبحث وترصد وتجمع وتستنبط وتنتج لوجدوا أماكنهم في الخطوط الخلفية لا غير.
كثرت الجوائز والمهرجانات العربية ومنح الأوسمة وشهادات التقدير والأسماء هي هي، كثرت لجان التحكيم والأسماء هي هي، أحيانا يتفق الناشر والمؤلف وربما عضو في لجنة- الهي هي- لتكون من الذين تباركه وسائل الإعلام وتُجمع "الأمية الثقافية" على أنك من الموعودين بالشهرة وبنوبل!
بعد انقشاع غيوم التكريم وغيابك فترة ما سيدخل اسمك في المجهول، أما لماذا؟ لأنك دخلت الأضواء بغير شرعية وأن من أدخلك متنفذ هزيل أو ناقد فاسد أو متقاعد أو تاجر كلام أو عضو في مافيا ما. لأنك، يا أخي، كاتب وفنان وإعلامي وأكاديمي عادي جدا للغاية ومثلك امتلأت بهم الكائنات.
ثمة مراكز عربية اخطبوطية تفننت بسحر الكلام الفارغ وتفننت بالرفع والكسر، تدفع لمن يكتب عنها أحيانا أو يدفع إليها مقابل خدماتها. تراهم جالسين جنب الشيخ والقائد والوزير ومسئولي الصفحات الثقافية ووسائل الإعلام وذوي الجاه على كافة الأصعدة والأوقات. ذوو الجاه بدريهماتهم يحتاجون إلى أسماء ولا يهمهم إن كانت مفبركة أو لا. تتألف معادلة مضحكة: الأمي الثقافي+ القيّم عليه(بغض النظر عن طبيعته) يضاف إليهما أحيانا الوسيط يعني السمسري. أمثال هؤلاء (يملأون وسائل الإعلام طبعا) يرسمون الستراتيجيات الثقافية والعلمية لبلداننا، تماما مثلما يخطط لمسابقات الجِمال(البعران)أو ما شابه ذلك. يا لها من انفلونزا الخنازير الثقافية العربية!
لا يمكن لأشباه المثقفين أن يخلقوا ثقافة حية. لا يمكن لإنتاج سريع: فكري، شعري، فني، أكاديمي وما شابه ذلك، أن يكون له فعل خارج نطاق فلسفته المتمثلة بالتسطيح. لا يمكن لمثل هؤلاء الأشخاص أن يتستروا على جهلهم إلى ما لانهاية. لا تدوم الجوائز بهذا الدجل، ولا تصبح لها قيمة بهذا الانهماك بتسطيح أهميتها. الجوائز ضرورية إلينا وإلى الوسط الأدبي والثقافي والعلمي بشرط أن تحافظ على هيبتها وشرفها وصدقها. للتكريم وللمهرجانات وللجوائز التي تحترم نفسها دور كبير في تشجيع الآداب والفنون والعلوم. أما مردود ما نراه ونسمع عنه من صنيع تجار ومافيات الثقافة على الصعيد العربي فهو أشبه بنافخ الرماد، تراه سرعان ما يتطاير فيختفي، وفي الأعم الأغلب يرتد على نافخه بالويل والثبور. بالمناسبة يسيل لعابي لكمية المبالغ الممنوحة في الجوائز العربية، فقط المبالغ، فقط المبالغ وبالعملة الصعبة.. ها ها ها.
قبل سنتين اتصل بي أحد زملائي الشعراء(الناشرين) وقال لي: إنك(أنا) مترجم الشاعر تشيسواف ميووش-الحائز على نوبل إلى العربية، فقلت له: هذا صحيح، ولقد أنفقت وقتا طويلا في قراءته وفك طلاسم عالمه الشعري وما صعب علي قام الشاعر ونقاده بشرحه لي، ولدي مباركته التي تمتد لسنوات طويلة وأنني أول من ترجمه إلى العربية قبل ثلاثين سنة وقبل سنوات صدرت طبعتان من أشعاره آخرها منقحة مزيدة. أردف قائلا: سأتصل بك بعد فترة. ذات يوم، أخبرني تلفونيا من دولة عربية خليجية بموافقة لجنة مؤسسة كلمة الإماراتية للترجمة على أن أكون من سيترجمه إلى العربية بشكل موسع. فرحت لهذا التقدير وللمكافأة التي يمكن أن تنتظر أمثالي، وقلت في داخل نفسي: يا ما أحلى هذه المؤسسة. غير أن القضية طالت وعرضت ففهمت (بعد سنة من الإعداد والاتصالات بوريث الشاعر وممثلته في بولندا وهم يعرفونني جيدا، وقمت بتحضير مختارات هائلة تمثل مشروع ميووش الشعري الحقيقي) أقول: عرفت فيما بعد، بأن اللجنة القيمة على المشروع قد تغيرت وأن الجديدة بالواسطة قد اختارت شخصا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالشعر وأن لغته البولندية مثار تساؤل جدي.
مثال آخر أسوقه، يذهب أصحاب الكفاءات إلى العراق لمراجعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لمعادلة شهاداتهم فيواجهون بطلبات تعجيزية من قبيل، يجب أن ترفق جواز سفرك الذي غادرت العراق على ضوئه لأول مرة والبطاقة التموينية وبطاقة السكن! ما علاقة الجواز بالتحصيل العلمي وبالمعرفة؟ ثم من يحتفظ بجوازه الأول العراقي بعد مضي عشرات السنين على نفاذ مفعوله. ثم أن من كان بإمكانه مراجعة السفارة العراقية زمن صدام حسين في الخارج غالبا ما كانت تسحبه منه بعد أن تؤمله بمواعيدها العرقوبية. علاوة على ذلك، ثمة عراقيون كُثْرٌ قد غادروا بلادهم سرا بلا وثيقة تذكر وأنا واحد ممن أخذت السفارة العراقية جوازهم القديم في الخارج. هل يا ترى، تم اعداد قائمة باسماء من خدموا وطنهم وثقافتهم للقيام بتكريمهم في "العهد العراقي الجديد"؟ بلى، جرى تكريم البعض ومنهم من كانوا يكيلون المديح للنظام السابق وقائده الضرورة.
مثال ثالث، حينما يراد توزيع غنائم الجوائز العربية، سيسأل عنك: هل أنت من قوم موسى أو عيسى أو محمد؟ وهل أنت شيعي أو سني. بالمناسبة، مرة سالني أحد أصحاب الفتاوي: سني أم شيعي؟ أجبته، لا هذا ولا ذاك، أنا "سوشي". ما علاقة الإبداع بالطائفة والقومية والدين؟ ما علاقة الشوارب واللحى والمحابس بجوهر الدين؟ ما علاقة الإسلام مثلا بذبح الناس وتكفيرهم؟ ما علاقة المسيحية واليهودية بانحطاط العرب؟
مثال بسيط آخر، ذات سنة في التسعينات كنت مضطرا للسفر إلى ليبيا، وحالما انوجدت فيها أخذت أبحث عن المكتبات وإذا بمقتنياتي منها كادت تربو على الخمسين كتابا، كان من بينها كتاب عن أبي القاسم الشابي مع بعض أشعاره. ولما دخلت الحدود التونسية كترانزيت عائدا إلى بولندا (طامعا بعناوين تراثية ومعاصرة يمكن أن تخدمني وطلبتي وقسمنا الاستشراقي في وارشو) تمت مصادرة الكتب مني ولم أتمكن حتى من إخراج أبي القاسم الشابي من قمقمه.
مثال آخر ذو مغزى، طلب مني أحد زملائي من الشعراء(الذين أكنّ لهم التقدير) ممن كان يعد لإقامة مهرجان شعري، أن أدعو له شاعرا بولنديا حائزا على نوبل، ولما تعذر عليّ إقناع ذلك الشاعر(وهو صديقي حقا) بالسفر إلى أحد البلدان العربية، توقف هذا الزميل عن مخاطبتي وحتى عن دعوتي ولو لمرة واحدة لحضور مهرجانه الشعري!
مثال آخر من بريد الانحطاط، ناقد عربي معروف إعلاميا(تافه أكاديميا) قال في معرض حديثه – أمامي وبعض الحضور- عن شاعر عربي زميل له: إنه شاعر من وزن الذبابة، ولكنه صرّح في مناسبة أخرى بحضرة الشاعر ذاته قائلا: هكذا على الشعراء أن يكونوا وإلا فلا، وأشار إلى صاحبنا!!
مثال لا أفهمه له علاقة بالغيرة والشعور بالنقص، هناك من بين مُعدّي الأنطولوجيات الشعرية العربية وممن يكتبون في الصحافة ووسائل الإعلام عن هذا وذاك، يقومون بإعدادها أحيانا نكاية بمن تناساهم في أعمال مشابهة منشورة، حتى لو كان ذلك لأسباب موضوعية. مقابلات ودعوات ووظائف تتم بالمعرفة والواسطة. اكتبْ باسماء وهمية واقبضْ مكافأة الاسم المستعار مرارا وتكرارا! الشاعر الكبير والمفكر الكبير والروائي الكبير والقائد الكبير وأعظم المهرجانات وأكبر الجوائز وأكبر كيكة في العالم- لا يصح في كل هذا البحر من الهراء إلا كلمات من قبيل: الفندق الكبير والمطعم الفاخر وأجمل النساء. من أجمل ما أتذكره لعبد القادر الجنابي قوله: "نحن الأطفال الكبار/ فينا يُهدَر دمُ الظهيرة". نشترك في هذه المهزلة حتى ولو كنا نرقبها عن بعد، لأننا لا نفضحها، لأننا لا نرميها بحجارة من سِجّيل!
إذا كنت يا صديقي المبدع الحقيقي في بلاد العرب أو منحدرا منها وتعيش في بلاد الأعاجم، ممن يفكر بجد، ويعمل بجد، وينتج بجد فلا تقرأ الوصفة التالية:
وصفة أن تكون ضليعا بمعرفتك في نظر الأميين:
احفظْ مجموعة من المأثورات الشعبية والأقوال والحكم العربية.
احفظْ بعض الآيات القرآنية ومن الأفضل أن تطلع على الآيات المشهورة وعلى مجموعة من غير الشائعة كثيرا بالإضافة إلى حفظ عدد من أحاديث الرسول لأن الأمة تحب الحفظ.
احفظ بعض قصائد الشعر القديمة والكلاسيكية، ومن المفضل أن تعرف أبياتا أو قصائد جنسية وأخرى مثيرة.
احفظ بالمعنى العام تعريفات بعض المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية الشائعة.
صلِّ مع المصلين من المتنفذين وأصحاب الجاه واشرب مع الشاربين.
اكتبْ عن هذا وذاك من القيمين على الشئون الثقافية والسياسية في وسائل الإعلام ودوائر الدولة والمؤسسات شبه الرسمية.
كثّفْ اتصالاتك التلفونية مع هذا وذاك ولا تكنْ ذا عزة نفس بيّنة لتضمن عطفهم وتذكرهم لك.
افتحْ مشروعا إعلاميا أو ثقافيا أو علميا في الخارج أو في الداخل أو ساهم في مثيله فيما لو تعذر عليك فعله بمفردك. أرجو إضافة ما تراه من الوصايا التي غفلت عن ذكرها.
الثقافة العربية في خطر، وثقافة الأقليات والقوميات القريبة التي تعيش جنبها أو في ظلها في خطر، ونحن في خطر ما لم تتسع دائرة المعرفة الحقيقية وما لم يجر التعامل بجدية وحرص مع الفكر والثقافة والعلوم في البلدان العربية. أنقذونا رجاء من تسلط الطارئين والسطحيين والجهلة والأميين على خناق ثقافتنا المسكينة. يمكن لنا أن نفتخر بهذا الثقافة فيما لو تم احترامها واحترام مبدعيها.