وعندما يبحث القارىء عن رابط بين قصص المجموعة، يجد المرأة محور معادلة طريفة، وبين المرأة والرجل تتجاذب الأمور وتتنافر، تتأزم وتتهادن، وفي الحالين تلتهب المشاعر ويصحو القارىء على حقيقة المجتمع الذكوري، وصراع المرأة، لينها وتمردها، حنكتها ودهاؤها لاثبات وجودها "وضعت ليدي حيلة" (ص45)، وبراءتها حين تفتح ابواب بيتها ونوافذه مشروعة تصفق فيها ريح عاتية.
كما يجد ان الرسوم التي تتوسط كل قصة هي جزء لا يتجزأ من جسم هذه المجموعة، وهي الرسوم المعبرة عن بطلات القصص وأبطالها، في تأملاتهم وذهولهم، وفي حركاتهم وسكناتهم وخيالاتهم، وما توحي به نظراتهم، ترجمتها ريشة فنان، وقدمها يراع قاصة، فكانت صورة ونصا للقطات فنية، التقطتها ابداعات القاصة التي تملك حسا مرهفا، ونفسا شفافة تتحسس بوح النفس، وهمس النسمة، ونفثة الألم، ونشوة الفرح.
ثانيا المجموعة:
تضم المجموعة خمس عشرة قصة قصيرة، تشي بمضمونها، وتتكامل اللوحة مع النص، فإذا هما هيكل صورة حياتية، نعيشها، ونلحظها، نحياها، نكتوي بنارها، ونحزن لآلامها، او نسعد لنتائجها، ونعبر عنها.
برعت آلة القاصة في التقاطها وتجسيدها، أو تكثيف الضوء عليها، وتقديمها لنا بأسلوب ماتع مغلف بالسخرية المحببة، ومصوغ بلغة شاعرية.
وإذا بشخوص القصص، المرأة والرجل والفتاة والفتى، يتحركون في عالم رسمته القاصة بدقة وعناية، تقهر الأقدار المرأة كثيرا، لكنها لا تستسلم لقدرها، وتتسلح بالوعي والأمل، وان بدت عديمة الحيلة لاحول لها ولا قوة في مرحلة تحولت إلى صانعة لتلك الحيلة التي تنصفها وتُحقُّ حقها.
تقدم لنا قصص المجموعة صورا متعددة للمرأة بصيرورتها ووجودها في القصة الأولى "ألف.. ياء.. امرأة" المولود غير المرغوب فيها، تحدثك عن نفسها وحقيقة حياتها بحرقة وألم، ولدت أمي "شيئاً غير مرغوب فيه"، "وحين وعيت ما حولي اكتشفت انني مجرد شيء مختلف"، "وعندما أصرخ لأجل رغبة احتاجها.. لا تتحقق" "وعندما يصرخ اخي لأجل رغبة اشتهاها ... تهرع الدنيا لتحقيقها" (ص 9 10) في مجتمع الذكورة الذي يمارس فيه الرجل سطوته "في صوته ثقة سائس متمرس ورث القدرة على لجم اي فرس توهمت لبرهة انها حرة جامحة" (ص10)، فإن نجحت استكثروا عليها نجاحها "مصّت أمي شفتيها ليت هذه النجاح لأخيك" (ص12)، وعليها ان تعيش كما رسم لها "كما يلمع أثاث البيت من آن لآخر كانت أمي تلمعني في أيام محددة" (ص12)، حتى أحلامها مقيدة مرسومة لأن جهاتها الأربع "شرقية.. شرقية.. شرقية"، ولا تغفل القاصة شاردة ولا واردة في حياة المرأة الا وتشير اليها ناقدة او غامزة من قصة الخطبة وحقوق الفتاة "اود رؤيته حتى لو لم يطلب رؤيتي يا للعار.. اسكتي يا بنت.. لن تريه إلا في ليلة الزفاف"(ص13) الى موضوع الحمل والانجاب "إذا لم تحملي هذا الشهر... سأتزوج وإلى نهاية الشهر" وراتب الزوجة ومصروفها ولباسها "أعطيني راتبك.. انا سأنفق عليك وعلى البيت"(ص14) وانشغال الزوج والمعاملة "القطب المتجمد يقيم في منزلي"(ص15)، الى الانجاب والولادة، فان كان المولود ذكرا "زقزق ولدي في صحراء بيتي" و"أحاطواني برعاية ذوبت جزءا من احساسي بالهامشية" "وتمنيت ان ألد كل يوم ولدا لادخل دائرة الضوء التي يثيرها مقدمهم"(ص16) وان كان المولود انثى تكررت المأساة، وكانت العودة على نقطة البدء "حين ولدت ابنتي اخبرتني الوجوه المقطبة حولي انني (شيء) غير مرغوب فيه"(ص16). وان كان المولد ذكرا فسيرث سلوك ابيه لان الاولاد يرثون سلوك الآباء "لكن فراخ الرُّخ ابت الا ان تكون نسخاً طبق الأصل عن بصمات مخالب والدها"(ص17)، وتبقى فسحة الأمل بتغيير نظرة المجتمع للمرأة وانصافها "وحين تعي ابنتي ما حولها... آمل... ان لا تكتشف انها مجرد (شيء) مختلف"(ص17).
وصورة الزوجة تواجه زوجا متسلطا، تقول له زوجه: (شرق)، فيقول: (غرب).. اناني ومتسلط.. "سنموت قبل ان نتفق على رؤية جهة واحدة معا"(ص37)، "رأسه يابس كأنه صخرة اثرية.. اجبته بكيت وبكت.. لولا انني كبَّرتُ عقلي.. لتركت له البيت" ص(36).
والعازفة عن الزواج الصديقة (هيفاء)، ما زال عقلها ملكها، ورفيقاتها اللواتي تزوجن، فقدن السيطرة على ما يملكن "فلا نبض قلوبنا بقي لنا... ولا عقولنا بقيت في مكانها"، وهيفاء تعيش متفرجة خارج دائرة النار "إنها طائر حر طليق يتباهى بحريته.. طائر لم يذق طعم العلقم الذي نستحم به صباح مساء"(ص39).
والزوج فهو بخيل "يجري البخل فيه مجرى الدم"، وهو انعزالي "لا يحب التجمعات.. يحب الجلوس في البيت امام التلفاز.. اربعا وعشرين ساعة متواصلة بدون ملل"(ص38) وأنظاره معلقة بالمذيعات والممثلات، ويروق له عقد المقارنات بين الزوجة وبينهن ولديه بلاغة في مدحهن. ويبقى نصيب المرأة/ الزوجة جراء هذه المعاملة "ارتفاع في ضغط الدم.. صداع فظيع... تسارع في دقات القلب.. أشعر بالاختناق"(ص39).
وصورة الزوجة العاقلة التي تعاني من سلوك زوجها، فتدغدغ مشاعره برسائل حب تسطو على قلبه "كالحالم.. خلع واقعه الذي يرتديه.. وذاب في أحضان حكاية أسطورية حمية"(ص43)، تنتهي بالموعد المنشود، فإذا به يستقبل زوجته المعالجة التي همست: "أهملتني... ولم تصغ إليَّ.. ولأني اعشقك، جذبتك إلى قمة عشقي.. وصنعت ليدي حيلة"(ص45).
وصورة المبدعة التي تواجه سلطة زوجها في انكاره حقها في المطالعة والكتابة وهو الذي يتبدع اسبابا متعددة لابعادها عنها، مما دفعها لاختلاق اسباب توفر لها ما تريد من الوقت، وكتبت قصتها بحروف مسروقة.
وصورة الفتاة المتفوقة التي اصطادت الشهادات بمهارة صيّاد عتيق ولم ينجها التفوق من عبارة امها التي ظلت تلاحقها "ظل رجل.. ولا ظل حيطة"، وتنتهي بها العبارة لان يكون هذا الرجل وظله غربالاً لا ظل له.
وصورة المرأة اللعوب التي تبحث عن رجل يغير معتقداتها وافكارها، ومن اجل ذلك خططت، ونصبت شراكها، حتى اوقعت فريستها، فهي لم تيأس، وتُعرِّف نفسها بانها انثى لا تخطىء رائحتها الانوف "كعادتي وضعت عقلي وقلبي على خط واحد.... وفي نقطة واحدة.... وحكت لك شبكة صيد متقنة"(ص68)، وذلك لتنتقم الى بنات جلدتها كميسون وغيرها من هذا الرجل اللعوب.
تتعمق اعماق المرأة، وتبوح بأسرارها وافكارها واحاسيسها ومشاعرها، تتلذذ في تعذيب فريستها، حتى اذا ما ملكت عليه نفسه، خطَّت اسمه الجميل في اللائحة، وذهبت "رقم في قائمة انتقامي"(ص71)، وعندها تطلق صيحة النصر "هيا يا قلبي ويا عقلي... ايها الصديقان... جاءت خاتمة اللعبة.. مخططنا نجح"(ص73)، ومع دهائها فقد سقطت في نهاية الامر فريسة لعبتها "كل ما اذكره انني سمعت نفسي اهذي هذيان عاشقة.. دمي يفور في جسدي.. واصبح لي جناحان.. والدنيا ضاقت بي من سعادتي.. ويداي كالجمر المتوقد بين يديه... و.... و.... أهذا هو الحب"(ص73).
وصورة المرأة التي تواجه التهديد بالطلاق خوفا ورعبا، ويتحول خوفها ثقة، وهي المشرفة الاجتماعية التي تعمل على حلّ مشكلات طالباتها، حتى إذا ما تعرضت للتهديد بالطلاق.. وتعالج من خلالها مشكلة المجتمع الذكوري، وسطوة الرجل واستغلاله، فاذا المرأة تكون كالقطة في مواجهة العنكبوت، وتنتهي بهزيمة الرجل "العنكبوت" "أحسست بخيوط العنكبوت اللزجة الواهنة، تنسحب عن اكتافي واكتاف اولادي.. ورأي العنكبوت يزحف مدبرا امامنا، ويتلاشى... ويتلاشى... و ي ت ل ا ش ى"(ص85).
وصورة الام الولهى التي فقدت ابنتها، وتاهت في اقاويل النساء والاطفال، تبحث عنها، وتلوم نفسها على عمل او تقصير "اراني كرة لحمية تتقاذفها ارجل صغيرة ملونة"(ص91).
وصورة الزوجة ابنة الرابعة عشرة التي تنثر ببراءتها اسرار بيتها كقطع السكر على الجيران والأصحاب.
كما تُقدِّم الرجل الشرقي في سطوته وجبروته، وعبث الشباب، ولفحات العشق "كتابة الحرف الاول من اسم المحبوبة على زجاج السيارة" والزوج العابث الذي تعيده الزوجة الى رشده، "قصة وما بيدي حيلة".
وصورة الرجل واساليب القمع، وحبّ التملك للزوجة، وحرمانها من ممارسة هوايتها حتى ولو كانت هذه الهوايات المطالعة والكتابة.
وصورة الرجل في اساليبه الملتوية، وحذلقته وخداعه الى ان تقع في شر عمله. وصورة الرجل في مواجهة الحياة، وغدر الاصدقاء، وشدة الحذر الذي يوقعه في مأمنه.
وصورة الطفل الذي يجري في المقهى، يدور ويدور، ويحاول اثبات ذاته في معاركة الحياة معادلة المرأة والرجل، المرأة مقهورة، تستقبل قدرها، ولا تقوى على تغييره، إلا بالأمل قصة "ألف.. ياء.. امرأة"، "وحين تعي ابنتي ما حولها.. آمل.. أن تكتشف انها مجرد (شيء) مختلف"(ص17)، الى متذمرة متململة تكتفي بالاحتجاج "امس تشاجرنا.. وفي الليل كذلك.. اقول له (شرق)، فيقول لي: (غرب)"(ص37)، وشاكية "جبال جاثمة على صدري... وجيوش من الفؤوس تحتطب في رأسي... احتاج الى اطنان من الجليد لاسكبها في دمي، اطفىء حرائقه المشتعلة"(ص40)، وداهية تفتنّ في قهر زوجها قصة "وما بيدي حيلة"، حين توهمه برسائل معجبة، حتى إذا نجحت خطتها فاجأته في موعدها وقهرته "أهملتني... ولم تصغ اليّ... ولأنني اعشقك جذبتك الى قمة عشقي، وصنعت ليدي حيلة"(ص45)، واذا ما امتلكت سلاحها، وادركت قدرات دهائها، كانت مبادرة، وقلبت معادلة المقولة "إن وراء كل رجل امرأة...." "سأختلس من الزمن ربع ساعة اتصفح بها هذه الجرائد قبل البدء بأعمال البيت... وبدون استراحات.. تزحلق قلمي فوق بحر الصفحات المتجمد.... شعرت انني اكتب بحروف مسروقة"(60) ومنتقمة تجيد السلاح نفسه الذي يُعذبها به "عندما وضعتك بين ناظري، ايقنت انك سائر لا شك عبر المخطط الذي وضعته لك.... دخلت اليك كما يدخل الهواء عبر المسامات... لم ادع لك مجالا للهرب.... ووقعت في مصيدتي صاغرا"(ص68).... وكنت "الرقم الاول في قائمة ضحاياي"(ص66).
والرجل متسلط يمارس ارثه الاجتماعي في قمع المرأة "لكن فراخ الرخ ابت الا ان تكون نسخا طبق الاصل عن بصمات والدها"(ص17)، في صوته "ثقة سائس متمرس ورث القدرة على لجم اي فرس توهمت لبرهة أنها... حرة جامحة"(ص10)، عنيد "رأسه يابس كأنه صخرة اثرية.... احبته بكيت وكيت.. لولا انني كبرت عقلي.. لتركت له البيت"(ص36)، بخيل "تطلب زوجه مائة ريال لشراء حاجات للاولاد، فيطيّر عشرة ريالات من يده الى وجهها كالصاروخ، لا لتصفعه... بل لتقبله شوقاً ومحبة"(ص37).
انعزالي مراقب للتلفزيون ومذيعاته والممثلات يجيد عقد المقارنات، وعابث عاشق متيم ماهر في نصب شراكه، فيسقط في شراكه الذي صنعه "أهملتني.. ولم يصغ إليّ ولأنني أعشقك، جذبتك إلى قمة عشقي، وصنعت ليدي حيلة"(ص45).
وتبدو معادلة المرأة والرجل من خلال سمات عدة نلحظها في:
1 الوصف الجميل: والكاتبة تمزج بين الوصف الداخلي والوصف الخارجي في قصصها التي جاءت في حكم المطلق في عشر قصص "الف ياء امرأة دقائق مجنونة ذات امسية رقصات شرسة وما بيدي حيلة الكتابة بحروف مسروقة ظلّه بغمضة عين في رفقة الموت فكرة" ومسميات معروفة في خمس قصص "بوح البراكين يوم طارت ابنتي لعبة في منتهى الجدية لا شيء القطة والعنكبوت".
تتعمق اغوار المرأة، وتبوح بمعاناتها واحاسيسها ومشاعرها وتنقل الحوار الخارجي بين المرأة وصديقاتها، كما تسبر اغوار الرجل، وتبوح بما يعتمل في نفسه وما يخطط في طويته وتفجأه بما يفكر، وبما يخطط، تصوّر الصورة والحركة "وقلبي الذي حلّق بعيدا.... انقضت عليه العنقاء، فنتفت ريشه، واعادته مدميا الى قفصي الصدري"(ص10)، "مصّت امي شفتيها متحسرة" (ص10)، "وضعت امي بيني وبين الشمس غربالا لتحميني، امي بسيطة ساذجة لا تعرف ان الغربال لا ظلّ له"(ص64).
وهي تشرك الحواس في وصفها "لم يرها بعينه، بل سمعها باذنه، وفهمها بعقله"، "دخلت اليه من اذنيه، ثم خطت الى عقله، فلما ارضت العقل فيه نزلت الى القلب واستقرت هناك"(ص26).
وتمزج بين الانسان ومشاعره والطبيعة وتقلباتها "زقزق ولدي في صحراء بيتي"(16)، "عبثا احاول ايقاف الزمن، انه يجري في داخلي، وانا اجري في داخله ولا مجال للحظة توقف"(ص23)، "وجعل اللون الابيض الثلجي هو سيد المسرح الزوجي"(ص36)، "جبال جاثمة على صدري... وجيوش من الفؤوس تحتطب في رأسي... احتاج الى اطنان من الجليد في دمي كي أطفىء حرائقه المشتعلة"(ص40)، "انا هنا سيد المكان، كل الرجال يطلبون ودي... كل الايدي تصفق... كل العيون تلاحقني.. انا العمود الفقري للمقهى"(ص51).
2 اللغة الرشيقة: لغة القاصة فصيحة محببة "أحاطوني برعاية ذوّبت جزءاً من إحساسي بالهامشية"(ص16) معبرة "حين ولدت ابنتي.. أخبرتني الوجوه المقطبة حولي أنني ولدت شيئا غير مرغوب فيه"(ص17)، تعتمد الجمل القصيرة المكثفة "هيفاء تعيش متفرجة خارج دائرة النار، إنها طائر حر طليق، يتباهى بحريته، طائر لم يذق طعم العلقم الذي نستحم به صباح مساء"(ص38)، "توهجت جمرات... فأحرقت صقيع عينيه"(ص43). والصور البسيطة المعبرة "فتى يتكور على نفسه"(ص100)، او المركبة "كانت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها، قطعة من صلصال خام... لم تفتح قلبها نسمة.. ولا فتحت عقلها فكرة"(ص103)، والممزوجة بالحكمة: "عبثاً أحاول ايقاف الزمن"(ص23) "الكلمات تعرف طريقها في النفس البشرية"(ص27)، "وما بيدي حيلة"(ص42)، "الغربال لا ظل له"(ص64)، "دخلت إليك كما يدخل الهواء المسامات"(ص68)، "أصبحت سجينة قصص من حولي واقاويلهم"(ص80)، "البيوت مغلقة على اهلها واسرارها، ومن تريد أن تعيش لابد لها ان تتحمل"(ص83)، "القطة تحمل صغارها بفمها"(ص84)، "لا تخرجي من البيت حتى لا يصيبك ما اصاب الارنب الصغير"(ص88).
والعبارة التقريرية: "أهملتني... لم تصغ اليّ... ولانني عشقتك... جذبتك إلى قمة عشقي"(ص45)، "انعزالي لا يحب التجمعات"(38)، "لم يكن عندي ادنى شك في وقوعك صريعا على اعتابي"(ص68)، "المرأة كيان بشري لها مشاعر وأحاسيس، لها أحلام وطموحات، ولها حقوق كما لها واجبات"(ص83).
ويزينها ألفاظ شعرية "الظلام في عيني المغلقتين حالك السواد.... لا يضيئه قمر، ولا تتراقص فيه نجوم"، "ابتلعت عناقيد دمعي حبة حبة"(ص1)، "أغمضت عيني في انتظار شح نوم يقودني إلى كهوفه المظلمة التي أحلم بزيارتها الآن"(ص19)، "عشقت العدم في بحر أشعة الشمس.. تلفحني أضواؤها الساطعة كل صباح... يحتضن وجهها وجهي... تغسله بقبلات سياطها... فأنتشي برائحة النور والضوء"(ص61).
3 معادلة الصراع: في الوقت الذي تبدأ فيه القاصة مجموعتها القصصية بقصة "ألف.... ياء.... امرأة"، التي تقرر فيها قدر المرأة في ولادة غير مرغوب فيها، إلى نشأة وحياة ووجود ومصير، تكون فيه مسلوبة الحقوق، تتلقى التوجيهات والأوامر الى صور اخرى في الحياة تقررها طبيعة الحياة والعلاقات من خطبة وعمل ومال واولاد، الى ممارسة هوايات وفريسة في شباك الرجل، فانها تخطط لمعالجة هذه الحقائق والعادات والامور فهي تنتقدها سلوكا وعادات واعرافا وتقاليد.. الخطبة والزواج الوعود البراقة في حياة سعيدة التفريق بين الذكر والانثى الرجل سيد البيت الحمل الشكوى من الزمن والواقع المرير والعلاقات الزوجية وصورة الرجل في عين المرأة وصورة المرأة في عين الرجل.
فانها في الوقت نفسه تخطط لايجاد الحلول تارة "الكتابة بحروف مسروقة" و"صنعت ليدي حيلة"، والانتقام في احيان كثيرة استردادا لحقوقها.
4 شخوص القصص: بدت شخوص قصص المجموعة في حكم المطلق ماعدا بعض الاسماء "هيفاء مريم احمد"، وهذا هدف سعت اليه القاصة، وخططت له لتعالج واقعا اجتماعيا رمزت اليه بالرجل والمرأة في الحياة الاجتماعية، واغدقت على كل منهما صفات معروفة، نلحظها، ونعيشها في حياتنا اليومية في البيت والشارع والعمل، حتى اذا تم لها ما تريد التفتت الى نتاج هذه العلاقة من اولاد يتساوى فيها الذكر والانثى، وما يحيط بهذا النتاج من كوارث وويلات نتيجة اي خلل يصيب العلاقة الاولى "يوم طارت ابنتي لا شيء".
ثالثا علامات مميزة للمجموعة وتبدو في:
أ عناوين القصص: وقد بدت عبارات شاعرية مثيرة تستفز القارىء، او تذكّره بتجارب مر بها او سمع عنها، تغريه بقراءتها، ومحاولة ايجاد تفسيرات لها، واذا ما ولج عالمها تكشفت له لوحات متكاملة من النص والصورة لصورة اجتماعية، ولوحات فنية لحقائق اجتماعية، وشخوص نعرفهم يعيشون بيننا.
ب الشكل: قصص المجموعة متفاوتة في عدد صحفاتها، اطولها في عشر صفحات قصة "ألف ياء امرأة" واقصرها ثلاث قصص "رقصات شرسة ظلّه فكرة" وتقع كل واحدة منها في ثلاث صفحات، وتحمل المجموعة عنوان القصة الثامنة "الكتابة بحروف مسروقة" كتبت القصتان الاولى "ألف.. ياء.. امرأة" والسادسة "... وما بيدي حيلة" بشكل مقاطع، جاءت الاولى في ثلاثة عشر مقطعا، والثانية في سبعة مقاطع، مقاطع القصة الاولى احداث متتالية تبدأ مع ولادة بطلة القصة، وتطور حياتها، وتنتهي بولادة ابنتها، لتؤكد مضمون عنوان القصة "ألف.. ياء.. امرأة" ولدت (شيئا) غير مرغوب فيه يتوافق مع مضمون الآية الكريمة {وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم} (سورة النحل الآية 58)، في حين تمثل مقاطع القصة السادسة مضمون رسالة مطولة، وبوحاً نفسياً بين حبيبين، برقيات صغيرة، أو قل قصائد ومضة تنتهي بقفلة حملها عنوان القصة "وما بيدي حيلة"، الانكار المستمر الذي ينتهي بلحظة التنوير "وصنعت ليدي حيلة".
وكتبت باقي قصص المجموعة بالطريقة التقليدية لكتابة القصة القصيرة مع تلوين في طرائق السرد، راو عارف، يرى، ويسمع، ويشاهد، ويروي ما يرى وما يسمع وما يشاهد بضمير المتكلم كثيراً، وبضمير الغائب قليلا، ويضمن رواياته معارف وحقائق واقوالا وامثالا واشعارا، يحاور ذاته مرة، ويحاور الآخرين، يقرر، وينكر، ويتساءل.
والقاصة تجيد لعبة الاثارة في الكلمة الافتتاحية مضمونا وشكلا وفي القفلة لحظة التنوير.
وان كان من كلمة اخيرة تقال في توصيف هذه المجموعة، فهي مجموعة متكاملة من حيث الشكل والمضمون، حفز غلاف المجموعة وعنوانها القارىء لدخول عالمها، نقلت قصصها أفكار القاصة ومشاعرها واحاسيسها ورؤاها، وهي وان تماهت في شخصية الراوي، فقد كانت ناقدة لكل سلبي في الحياة، ساخرة منه، داعية لاصلاحه، بل قل مصلحة تقترح الحلول المناسبة.
هنيئا للقاصة المبدعة، والى مزيد من العطاء والنجاح.
(*) الدار المصرية اللبنانية القاهرة دولة الإمارات العربية المتحدة حكومة الشارقة أندية الفتيات بالشارقة