15 ديسمبر قصة يلعب فيها الخيال بوقائعه المُتخيلة دوراً أساسياً فى كل أجزاء القصة عدا الجزء الأخير (العام العاشر) .. ونلمح تناصاً مع بعض قصص الكاتبة نفسها مثل (مستشفى 2000و ضحكات تلتهم العالم) .
قامت الكاتبة بعملية إسقاط لواقع العالم على أحداث القصة معبرة بطريقتها الخاصة على ثورتها وعدم تقبلها لعالم اليوم ، فابتدعت عالماً متخيلاً هو أقرب إلى المدينة الفاضلة .
ولأن الكتابة إنفعال ومحاولة لإخراج كوامن النفس ورغباتها.. أحزانها.. أحلامها وأمانيها هي : ( تفجير لمكبوتات أشياء الجسد، فالكتابة فعل متعدد الإمتدادات والانحناءات ، تُكثف الحضاري والثقافي والاجتماعي والأيدلوجي والنفسي ، غير أنها مهما تعددت فإنها لا تخرج عن مساحة جسد الكاتب مهما كانت غايات هذا الجسد المعلنة والخفية ) كما يقول الكاتب محمد نور الدين ، وهى محاولة للتحول إلى الآخر أو من حال إلى حال أو محاولة الانتقال من واقع إلى آخر مغاير ( الكتابة افتراق مع الآخر وارتماء في آخر مغاير بواسطة الكلمات) ، نجد أن الكاتبة أظهرت هذه المعاني بوضوح في هذه القصة التي نحن بصددها الآن .. وهذا هو الدافع وراء القول أن الكاتبة أسقطت عالمها الذي نعيشه الآن على عالم متخيل تتحقق فيه كل الرغبات والأمنيات الكامنة فى النفس والداعية إلى إلى التغيير وتنتفى فيه صفات الواقع غير الحميدة و التي من أجلها وتعبيراً عن رفضها – الكاتبة ، كان الإسقاط ....
الزمان فى القصة ممتد على مدى عشرة سنوات وجاءت كل سنة حسب أسبقيتها الزمنية والحدثية أيضاً بمعنى أن الزمان جاء تراتيبياً ومتوالياً ، فلم تسبق سنة متأخرة فى ترتيبها سنةً قبلها وتوافق هذا مع طبيعة القصة.
المكان وإن بدأ للوهلة الأولى أنه هذه الغرفة الممتلئة، إلا أنه تمدد حتى عمّ العالم .. وما الغرفة وما الإشارة إلى إمتلائها بكل شىء إلا رمز وتمثيل مبسط لهذا العالم الذى تجرى أحداث القصة فيه (.... غرفتي المليئة بالتحف والصور والكتب والكاستات والصحف ووو وكل شيء ) عبارة (وكل شىء) وإن جاءات فضفاضة بحيث لا تحتملها الغرفة بمساحتها المحصورة والضيقة والتى يصعب قبولها إلا إذا نحونا المنحى الوحيد الذى ذكرناه :هو أن الغرفة هى الدُن الذى صبَّ فيه العالم كل أشيائه .
وتيرة الأحداث فى إرتفاع فى كل فصل .. أى إيقاع الأحداث متنامى إلى أن وصل الذروة فى العام التاسع عندما فقأت الراوية عيناها .. فقد الراوية لعيونها بإختيارها هو دلالة على التضحية من أجل بقاء العالم .. عالم الريانة وهذه آخر قيمة نستلهمها من القيم الكثيرة الجميلة التى قالتها القصة (... أخرى فقررت أن افقأهما من أجل بقاء عالمنا ،،عالم الريانة ..).
قبل لحظة إتخاذ القرار تقارن الراوية بين أمرين، الوحدة أو الصُحبة ، فتختار الثانى ودافعها هو الحنين إلى الأم والأب والأخ والحبيب والذين لم تلتهمهم إلا لحبها لهم وخوفها عليهم من هذا العالم (...وكان أن يحدث أحد أمرين أما أن التهم المرآة فتنتقل إلى عالمي وأظل وحيدة إلى ما لا نهاية وأما أن التهم نفسي عبر المرآة فأرتمي في أحضان أمي وأبي وشقيقي و( …) وهو الأكثر شوقاً إليّ .)
السرد فى القصة سرد ذاتى، والسرد الذاتى هو الأكثر إقناعاً بالنسبة للقارىء والأكثر صدقاً، فالراوى فيه يحكى عن واقع هو عاشه ولا يحكى عن واقع سمع عنه والقارىء كما نعرف يصدّق التجربة المعاشة فعلاً فيعيش فيها ويتفاعل معها بنسبة أكبر من التجربة المحكى عنها.. أما اللغة فهى لغة متزنة لم تجنح إلى اللغة الشاعرية والتى تفقد سِمتها فى أنها قصة مبنية على حدث والتى ينتقدها الكثيرون – اللغة الشاعرية .
القصة وإن جنحت للخيال فإنها لم تغفل الجانب الدلالى . (... فطالما رأيت أن الورد هو الجمال الذي يسكنا وهو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع المرء أن يبغضه ،مددت يدي لألملم تلك الاشلاء إلا أنها اختفت فجأة ..لقد التهمتها عيناي ) هنا تصريح أن أبرز عناصر العالم الجديد المتخيل "عالم الريانة" وأول دعائمه هو الجمال والوردة تدل على الجمال الطبيعى وإلتهام الوردة يضع فى أذهاننا صورة للعالم الجديد وهو ملىء بالورود وبالتالى جمال طبيعته من طبيعة جمال الوردة ، وهذه دلالة على أن عالم اليوم يفتقد الجمال ..
أرادت الراوية ان تقول لنا : أن الفرح فى عالمنا الحالى غير مكتمل و أن إحساسنا به مشروخ (... فقد كنت عروس بلا أسنان كما كان رجلي عريس بلا ملامح ،عام كامل قررت العاصفة أن أكون فيه صورة ممزقة لعروس يؤطرها برواز مشروخ ) . حتى المرآة المتسخة ثالثة الثلاثة المتبقين تدل على تخبط هذا العالم لعدم وضوح الرؤية .. تدل على أننا لا نرى أنفسنا كما هى على حقيقتها لاننا نراها من خلال مرآة متسخة لا تقول الحقيقة كما هى .. لا يعنى هذا لو أن المرآة نظيفة فإنها تعطينا صورة أكثر جمالاً ، بل صورة اكثر وضوحاً؛ على حقيقتها دون تجمُّل، أي أننا الآن نعيش بشخصيات ليست لنا ولا نرى أنفسنا على حقيقتها . هذا الواقع مرفوض بالنسبة للراوية لأنها عندما أرادت أن تختار بين ان تلتهم المرآة أو تفقأ عيناها اختارت الثانية لأنها لا تريد فى عالمها مرآة متسخة تُغيّب أناسه عن حقيقتهم وتطمس رؤياهم، لذلك تركتها في العالم (الغرفة) ولم تصحبها إلى "عالم الريانة" ...
القصة في مجملها جيدة من حيث الفكرة والمعالجة وقوية من حيث الدلالات ، ولكن هناك بعض الملاحظات الطفيفة التي نالت قليلاً من البناء الفني للقصة والتي رأينا تسليط الضوء عليها .
· تدًّخُل الكاتبة فى بعض الأحيان في النص مما يؤدى إلى توجيه القارئ إلى منحى معين تريد الكاتبة أن توصله إليه ، بحيث أنها لا تتركه يكتشف الأشياء بنفسه من خلال قرأته للنص ، وهذا نوعاً ما تعدى على حرية القارئ لانه يفهم ما تريد له أن يفهمه وتقطع عليه الطريق للوصول إلى ما وراء النص بنفسه ، فالقارىء ويستمتع دائماً بالقراءة التى يكتشف فيها ما وراء النص بنفسه حتى لو كان غير ما أراده الكاتب وهذا جانب من جوانب "نظرية التلقى" فى الأدب العربى الحديث .. لنورد مثالاً :
(...يجب أن تكونوا على يقين بأن أي عالم يبدأ بوردة كعالمنا هذا هو عالمٍ خالٍ من الزيف وخالٍ من القبح لأن الجمال هو لغة البسطاء والأمناء وهو مرادف للإنسان ،،ذلك الإنسان الذي كان ..)، أرى أن هذا تدخلاً من الكاتبة فالقارئ ذكى ويمكنه أن يكتشف أن العالم بدأ بوردة عندما التهمتها عيون الراوية ، وإن لم يكن ذكياً ليتكتشف هذا بنفسه فإن الروية أشارت بل صرّحت له بهذا عندما قالت:(كانت الوردة هي الملهم وهي الرمز ولأنها كذلك فقد كانت بداية لعالم جميل) .
· القصة القصيرة كما نعرف تعتمد على الإيجاز والتكثيف فلا تعتمد على التفاصيل كما فى الرواية . فى يداية العام السادس فقرة كاملة أُقحمت فى القصة (بعد ان أصر شقيقى على ....الخ) يمكن الإستغناء عن هذه الفقرة تماماً ودون أن يؤثر هذا فى أحداث القصة بل يفيد فى البناء. يمكن أن يبدأ الفصل بـ (العاصفة بدأت هذه المرة ....) هذه الفقرة هىعبارة عن مقدمة للفصل السادس فقط والقصة القصيرة لا تحتمل هذا.
· هناك جملاً زائدة منغرزة فى النص والجمل الزائدة تضعف القصة نوعاً ما مثل : (… لا يهم ولكن الاهم هو العام السادس من أعوام ..الخ) إنتهاء الصل عند كلمة (الصورة) أقوى فهذه جملة زائدة لم تضف للقارىء شيئاً، و (… وكان هذا دليلاً على عظمتى كما تعلمون) و (جيد تتذكرونها إذن) و (البداية كانت عالمكم هذا .. أو عقبال مئات السنين) و (…بالضبط هم فرسان البكاء على الأطلال)
· العام أو الفصل العاشر جاء قائماً بذاته بعيداً عن أحداث القصة وإن كان هو ملخصاً لها ، هذا مضمونه أما من ناحية البناء الفنى فقد جاء الفصل مباشراً تقريراً أقرب إلى المقال وقد أضعف هذا القصة نوعاً ما أو بتعبير أدق اضعف نهاية القصة جاء الفصل بشكل خطابى واعظ (العالم يا أبنائى هو إنسان كبير يضم كل البشر ….الخ ) ولو جاءت النهاية حدثية لكان هذا فى صالح القصة أكثر ، مثلاً لو إنتهت القصة بنهاية الفصل التاسع عندما فقأت الراوية عينيها ، أرى من وجهة نظرى المتواضعة أن هذه نهاية قوية جداً وممتعة للقارىء عندما شارك هو فى هذه القصة بإكتشافه ما وراء النص ووصوله إلى المدلول .. على هذا طبعاً تنتفى وظيفة الجملة (فكانت هذه الخطبة التى تؤرخ للإنسان تاريخ عالمه الجديد) فى بداية القصة .
النص الجيد يستوعب كل القراءات وتعدد القراءات بتعدد القراء هو أكبر دليل على جودته وإبداع الكاتب …
هذه بعض قراءة لقصة (15 ديسمبر) القصة المحتشدة بالصور والخيال والحركة …
القصة جميلة جداً فكرةً ودلالياً ككل قصص القاصة ريّا أحمد وإن كانت هناك بعض الملاحظات فهى تعود فقط للفترة الزمنية التى كتبت فيها لانها منذ أكثر من عام كما اعرف، علماً بأن للكاتبة قصصاً لو شرحناها فلن نجد أية ملاحظة عليها …. لانها قصص قوية من جوانبها الفنية والدلالية و الجوانب الأخرى ….
تمانياتى أن أقرأ لها المزيد والمزيد والمزيد
وبالتوفيق إنشاء الله
رانيا مأمون
أديبة سودانية |