»  قبل إعلان الفائز.. "البوكر العربية" متهمة بالمحاباة  »  مصر تحتضن الملتقى الأول لقصيدة النثر العربية  »  حوار مع الروائي المصري صنع الله إبراهيم  »  المثقفون رواية سيمون دي بوفوار الى الواجهة العربية من جديد  »  جوائز العرب ومهرجانات العرب ونفاق العرب وتخريب الثقافة والعلوم!!  »  الروائيون العرب «الجدد» ينتهكون النص المحفوظي  »  مجلة دبي الثقافية تكشف النقاب عن اكبر مكتبة شخصية في اليمن  »  عدد جديد من مجلة اقلام جديدة الاردنية  »  جلدها الرمل:زياحد أحمد الفحم  »  تجارب إبداعية :تستضيف الشاعر إدريس علوش
نقد
يكتبن بحرقة وأمومية وحنان.. كاتبات القصة الخليجيات سيف اللهب الأخضر ..يوسف أبو لوز
الثلاثاء , 17 مارس 2009 م طباعة أرسل الخبر
كل امرأة هي قصة قصيرة. هي سرد مكثف في حكاية، وأحياناً إذا خرجت على هذه القاعدة تصبح قصيدة عندما تشف القصة وتصبح أشبه بالأغنية، لذلك ارتبطت الحكايات في الغالب بالنساء.
في تلك التجمعات الأنثوية الممنوعة على الرجل. في البيوت ذات الاضاءة القليلة وفي الحقول وفي الليالي الطويلة حيث تتولى المرأة تأليف القصص إما لنفسها في غياب زوجها، وإما لأولادها الذين يصدقون الحكايات المحبوكة بعناية أمومية في الليل، اضف إلى ذلك، كانت المرأة تؤلف الاغاني.
كانت تغني لنفسها أيضاً، لزوجها أو لحبيبها أو لابنها، وكانت تلك الاغاني كثيراً ما تنطوي على حكايات. وعلى الجانب الآخر من كل هذا المشهد كان الرجل يقول الشعر، وربما أمكننا تأمل كلمة أو فعل “يقول” هذا.. وذلك لما في “القول” من معنى القوة، هو يقول الشعر، اي يؤكده بتلك الصيغة الفحولية التي ارتبطت تحديداً بالشعر. والشاعر الفحل هو قائل القصيدة الطويلة التي لا تصلح أن تكون حكاية نسائية أو أغنية أو قصة قصيرة.
الرجل العربي عرف الشعر قبل ان يعرف القصة، فهو كان في ميدان الحرب أو في ميدان الصيد أو الغزو أو الثأر أو السفر أي الغياب الذي يستدعي الشعر، أما المرأة فهي عمود البيت وحارسته التي من دون سلاح سوى سلاح الكلام الذي تطور على لسانها وأصبح كتاباً من الحكايات.
في منطقة الخليج العربي، كان الرجل يتبع دروب حياته في مسارات البحر. كان يغوص على اللؤلؤ في رحلات طويلة تبدأ بالوداع وتنتهي بالعودة المكللة بالفرح، وأحياناً وربما أحياناً كثيرة تنتهي رحلاته بتراجيديات تقترب من البطولة جرّاء مغامرات قسرية عليه أن يخوضها من أجل لقمة العيش.. من أجل الحياة، وعلى الشاطئ أو في البر اليابس الخالي من أهوال البحر، كانت المرأة تنتظر وتحوك لياليها بالكلام الصامت.
في البحر كان الرجل يغني أو يرتجل أو يقول الشعر، وفي البر كانت المرأة تسرد القصص لحالها ولأبنائها، وليس ممنوعاً عليها ان تفعل ذلك، ولكن من العيب ان تقول الشعر لأن الشعر بوح وإفصاح عن عاطفة قلبية إذا أظهرتها المرأة، فكما لو انها تظهر شطراً من ضفائرها المخبأة تحت عباءتها أو تحت المنديل المشدود بعناية على رأسها المملوء ب “الأفكار”.
ربما كانت هذه مقدمة طويلة في ظلال ملتقى الشارقة الثاني للقصة النسائية الخليجية، ولكن لا بد من مقدمة كهذه ونحن اليوم أمام مجموعة من التجارب القصصية التي وصل بعضها حد الجرأة على تلك التقاليد التي تمنع المرأة من قول الشعر، ولكنها ضمنياً تسمح لها بأن تسرد وتحكي وتقصّ “الكلام” كما كان بعضهن يقصصن الأثر في الرمل وحتى على الحجارة.
ولكن مع ذلك، كان على المرأة ان تستخدم احياناً اسماً مستعاراً حتى وهي تكتب قصة قصيرة هي أشبه بالخاطرة. قصة مناجاة لنفسها. مناجاة بريئة ليس فيها محظورات الشعر الذي يخرج من القلب، وكأن القصة تخرج من الدماغ، ولذلك، فهي “عاقلة” وليس فيها طيش الشعر وصبواته وأشواقه المحرجة، وفي منطقة الخليج العربي لجأت أكثر من كاتبة الى قناع الاسم المستعار، وبعضهن مع تقدم التعليم وتقدم الوعي الثقافي والاجتماعي نزعن هذا القناع، وأخذن يكتبن بأسمائهن الصريحة.
هل يستتبع الاسم المستعار أو المقنّع نصاً “مقنّعاً” أيضاً، أم ان خلف الاسم المستعار يقبع نص صريح اكثر جرأة وحقيقية من الذات الكاتبة؟.. هذا موضوع آخر تماماً، فأحياناً حتى الاسم الصريح لا يجرؤ على الكلام كله ويخبئ وراءه نصاً خجولاً مقنعاً رمزياً وبالغ التورية والاستعارة.
تغري منطقة الخليج العربي بالقراءة الجوّانية الباطنية لكل ما تكتبه المرأة من شعر ورواية وقصة قصيرة، لأننا أحياناً نبحث في هذه الحال عن الحكايات الخارجة من بيئة فيها الكثير من التحفظات على “قول” المرأة، ولكن اليوم وبعد سنوات من عودة الرجل من البحر واستقراره على السواحل إلى الأبد تاركا مهنة الصيد الخطرة أصبح للمرأة نصيب موازٍ من الحقوق الابداعية إن جازت العبارة فهي إلى جانب الرجل أخيها وزوجها وأبيها في كل مسارات الحياة، ولها ان تكتب الشعر من قلبها كما تكتب القصة من قلبها أيضاً في موازاة ما يفعله الرجل.
وينوه الكاتب والناقد البحريني بدر عبدالملك بحقيقة يعتبرها متميزة للكاتبات في الامارات عندما يقول: “إنهن برزن بصورة متوازنة مع زميلهن الكاتب/الذكر. جميع كاتبات القصة القصيرة في الخليج والجزيرة العربية جئن لاحقاً وبفترة لا تقل عن عقد، على أقل تقدير، قياساً بزملائهن في كل قطر على حدة”.
لذلك عندما صدرت مجموعة “الخشبة” القصصية الأولى في الامارات للقاص عبدالله صقر في أوائل سبعينات القرن الماضي، كانت هناك ريادة قصصية للكاتبة شيخة الناخي التي فازت بجائزة على إحدى قصصها القصيرة عام 1972 من وزارة الإعلام.
وفي النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي شهدت الامارات حركة شعرية لافتة في المنطقة وعلى مستوى الوطن العربي، وفي موازاة هذه الحركة الشعرية كانت هناك ايضا حركة قصصية تمثلت في نتاجات كل من: مريم جمعة فرج، ظبية خميس، ليلى أحمد، سارة النواف، وسارة الجروان، وسلمى مطر سيف، وأمينة بوشهاب وسعاد العريمي وتلا هذا الجيل جيل آخر من كاتبات القصة في الامارات وفي موازاة الاجتهادات الشعرية والقصصية التي أنجزت بأقلام زملائهن الرجال.. هذا الجيل النسائي تمثل في أسماء من مثل: ابتسام المعلا وصالحة غابش وباسمة محمد يونس وأسماء الزرعوني، وفاطمة محمد.
في فترة بداية التسعينات شهدت الامارات بعض التراجع ليس في النص القصصي وحده بل على مستوى الشعر ايضاً، ولكن هذا التراجع لن يكون ماثلاً في المشهد المحلي إلى الأبد، وهكذا ستظهر بعد ذلك اي في نهاية التسعينات ومع مطلع القرن الجديد اسماء قصصية جديدة من مثل: فاطمة الكعبي وأسماء الكتبي وعائشة عبدالله.
وهنا أرجو ألا أكون قد نسيت بعض الأسماء النسائية القصصية في الامارات، وبالإجمال نحن امام حوالي 20 كاتبة قصة قصيرة.. ولدت هذه الأسماء مع ولادة الدولة، وعليه فالفن القصصي الذي تبدعه المرأة الاماراتية هو فن حديث أو جديد شأنه شأن فن القصة بشكل عام في العالم كله، لا بل ان هناك من يقول ان الرواية هي ايضا فن حديث، بما معناه اننا امام عدد من كاتبات القصة القصيرة في الامارات استطعن تأكيد اصواتهن الابداعية بجدارة خلال وقت قياسي بالنسبة إلى زميلاتهن في باقي دول الخليج العربي.
الكويت مثالاً والبحرين والسعودية هي ساحات سابقة على الامارات في القص القصيرة، وعلى سبيل المثال يشير الكاتب طالب الرفاعي الى خمس مراحل تاريخية تستند إليها القصة في الكويت الأولى منذ منتصف الاربعينات والثانية منذ منتصف الستينات، والثالثة منذ منتصف السبعينات والرابعة منذ منتصف الثمانينات ثم الأخيرة مرحلة جيل التسعينات، وكحصيلة قصصية نسائية في الكويت نقرأ عبر هذه المراحل أسماء من مثل: ليلى العثمان، عالية شعيب، فاطمة يوسف العلي، ثريا البقصمي، ليلى محمد صالح، وصولاً الى اسماء اخرى منها استبرق أحمد من جيل التسعينات في الكويت والتي تشارك في ملتقى الشارقة الثاني لكاتبات القصة الخليجيات.
ويقول الرفاعي عن قصص استبرق: “تستند إلى جذر واقعي بدرجة أو بأخرى وهي بذلك إنما تقوم بمحاكاة الواقع الحياتي” وهذه الملاحظة ربما انطبقت على الكثير من الأسماء القصصية النسائية في الخليج فالكتابات الاماراتيات يعتمدن في الكثير من قصصهن على الواقع. القصيرة في الامارات كما يقول بدر عبدالملك “تتناول ظواهر وشخصيات وقضايا انسانية ومجتمعية معاصرة وتاريخية تمتد من مرحلة تجارة الرقيق وأثرها وبقاياها وفترة الغوص ومعاناته لدى البحارة والغواصين، حتى بروز المجتمع الجديد بمتغيراته وقيمه وشخوصه”.. ومتغيرات المجتمع الجديد في الخليج العربي تكاد تكون موضوعة مشتركة بين كاتبات القصة في الخليج العربي وبمختلف مراحلهن.
ويمكن ان تجد هذه المشتركات ماثلة تماما في نصوص الكاتبات وفي شهاداتهن أيضا، تلك الشهادات التي تؤشر على طبيعة المجتمع الخليجي وموقع المرأة فيه ونظرته الى انجازها الابداعي سواء في القصة أو في الشعر.
تقول القاصة السعودية بدرية البشر: “لم تكن كتابة امرأة في مجتمع شديد المحافظة، يفضل ان تنزوي نساؤه في آخر غرف المنزل بعيداً عن النظر والسمع بالأمر المرحب به. فقد كان من الغريب أن تحرص فتاة على نشر ما تكتبه على صفحات الصحف علناً، وكأنها تثير تلميحاً للآخرين بوجودها”. وتقول البشر: “حررتني الكتابة من واقع ضيق وأنا صغيرة، وحررتني من واقع ظالم وأنا شابة، ولهذا تعلمت أن قيم العدالة ومحاربة الظلم ورفع الحدود امام مسيرة البشر الطامحين إلى عالم افضل هي واحدة من هموم الكتابة عندي”.
هكذا تبدو كتابة القصة القصيرة، أو الكتابة عموماً بالنسبة الى المرأة في الخليج العربي هي وعي آخر بالتحولات التي طرأت على مجتمعات هذه البلدان، فالكتابة ليست ترفاً ولا تنفيساً عن مكنونات سجينة، وإنما الكتابة هنا تصل الى حد الهوية العاطفية والنفسية.. كتابة تتراكم بأقلام نسائية تجد أنها لا تقل في إبداعيتها عن إبداعية الرجل الذي تأتلف معه اليوم في هذا الفن الذي يشرع امامها كل نوافذ الحياة..
تقول القاصة البحرينية سعاد آل خليفة: “ستبدأ تجربتي مع القصة القصيرة في اطار وعي ذاتي نابع من ذاتي نفسها، فقد وجدت في القصة القصيرة حياة تستكشف هويتي العاطفية والعقلية بشكل أكثر قبولا وتأثيراً، كما وجدت ان القصة القصيرة تفرغ شحناتي الداخلية المتراكمة عبر سنين،” وتقول الكاتبة القطرية نورة محمد فرج: “لم أكن أكتب بإحساس الفتاة، بقدر ما كنت أكتب بإحساسي كإنسان يؤرقه هذا الظلم في العالم”.
حقاً، لم تعد الكتابة نزهة بالنسبة الى القاصة الخليجية، وجدتها القديمة التي كانت تسرد الحكايات وهي تصغي إليها وهي نصف مغمضة العينين هذه الجدة لو كانت على قيد الحياة لوجدت أمامها حفيدة تسرد على الملأ هذه المرة حكايات النهار وليس حكايات الليل الباعثة على النوم.
إن الكتابة هي “خلود” المرأة الخليجية.. وهي موقفها أيضا بذلك الذكاء وبتلك الثقة التي لا تحملها شخوص القصص القصيرة فقط، بل إن الكاتبة ذاتها محملة كالشجرة بهذه الثقة.. تقول الكاتبة الاماراتية د. أسماء الكتبي: “سألني صحافي ماذا تعني لك الكتابة؟ وبعد فترة صمت أجبته: “الخلود”، لذلك ليس مهماً قلة انتاجي الأدبي، لكن المهم لدي نوعيته، فأنا ان اردت الخلود، فيجب ان أخلد هانئة، لا ان تلعنني الأجيال”، اما الكاتبة الاماراتية فاطمة الكعبي فتربط بين تعميد الانسان و”تعميد الكتابة” أو ان تعميد الانسان يتم ايضا بالكتابة التي تذهب إلى هموم الناس.. تقول: “ثمة خطايا وعيوب لن تجرحنا حين تكتب فنواجه ذنوبنا مكتوبة. التطور لا يكون بتعميد الاسمنت، بل بتعميد الانسان، وعلاقته مع نفسه. التطور لا يكون بتعميد الاسمنت، بل بتعميد الانسان، وعلاقته مع نفسه، علاقته مع مجتمعه، ونحن ما زالت علاقاتنا مع انفسنا مفككة، وغائمة، بخاصة المرأة، والاماراتية تحديداً، وكفى القصة الاماراتية بُعداً عن همومنا”.
التعمير
في قصة للكاتبة الاماراتية سلمى مطر سيف بعنوان “عقد الياسمين” في مجموعتها القصصية “هاجر” تأتي هذه العبارة: “اللغة الاولى تتمرن باللهفة والعاطفة الجياشة المنفلتة وتخرج من كهف التلعثم”.. واذا استعرنا هذه العبارة المكثفة على منحى آخر غير قصصي، ربما أمكننا القول ان اللغة القصصية النسائية في الخليج العربي قد مرت بالفعل في تدريبات العاطفة الجياشة وخرجت من التلعثم الى فصاحة الانثى التي تعمّر العالم بذلك السلام الاخضر الساكن في قلبها المضيء، وهي تؤثث لنا الحياة بالحكايات التي نحتاجها تماماً في زمن تقل فيه القصص كأن الناس نسيت الكلام.
ولكن المرأة الكاتبة في الخليج لا تتكلم وتحكي فقط، إنها تودع حياتها في الكلمات. كل العاطفة الانثوية تتحول في النص الى شعلة من اللهب.. الى سيف من اللهب كما قال ذات يوم “بابلو نيرودا”، ولكنه هنا سيف من حرير مكتوب بأصابع ناعمة، ليست دائماً ناعمة عندما يتعلق الأمر بحقيقة الإبداع وضميريته المؤرقة.
القاصات في الخليج يكتبن بضمير وحرقة وغيرة وأمومة وحب وحنان من أجل أوطان تستحق كل هذا المديح.
احمد مطر

سكرتير التحرير
ياسرعبدالباقي

 
جرائد وصحف

بحث في المجلة
بحث متقدم
القائمة البريدية
221289

كامل الحقوق محفوظة لمجلة ملكة سبأ

تصميم مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي