تحيل القصة كمعادل فني لوجود انساني أزلي وأصيل إلى وعي منتجها بمفهوم الكتابة الإبداعية ، ومدى اقتران فعله الوجودي ذاك بدافعية التحرر ، أو استعادة الهوية ، بل وحتى الاتساق الهوامي مع فكرة يوتوبية محلوم بها ، وعليه فإن مجمل المجموعات القصصية الصادرة حديثا تشير بالضرورة إلى منسوب الوعي الجمعي بخطاب القص ، وبمفهوم القصة القصيرة . وقد تبدى ذلك الوعي لدى كتابنا في منطق تجزيئي لا ديالكتيكي ، يقطع الصلة بين دال الكتابة ومدلول ما حدث أو يحدث ، كما يأسر الخطاب القصصي تحت وطأة الذاكرة الخبرية ، ويخففه من رمزيته كنظام فاعل في مركزية وانتاج الثقافة .
وقد تم تعميق تلك الوظيفة الاسترجاعية للقصة عبر ذوات تتعاطى القصة/الثقافة كبنية فوقية ، وبها تترصد ذاكرة مضيعة ، أو مغيبة ، على اعتبار أن الإبداع حالة بحث دائمة وحرة عن منطقة شعورية غامضة يصعب القبض على خصوصياتها بتقليدية الأدوات ، وعن تمثلات فكروية تطلب مرجعياتها في جاذبية الواقعي بمنحاه الحكائي والنقدي ، وفي الرومانسي بمونولوجية الأنوات المأزومة أو الراثية أو الحالمة ، وأحيانا في الفانتازي بغرائيبية الرمزي والنفسي ، وحتى فيما يتشاكل بتيار الوعي .
ولا شك أن كل مجموعة من المجموعات بحاجة إلى قراءة خاصة للوقوف على أسلوب وفكر منتجها ، ومنسوب التطوير الذي أسهمت به في عالم القص ، بالنظر إلى أن القصة القصيرة هي أكثر الألوان الإبداعية التصاقا بالأنا ، وأدقها تعبيرا عن الذاتية ، وعن مزاج وشخصية منتجها ، ونمط تفكيره ، مع ملاحظة أن هذه الجمعنة لا تتقصد تنميط مجمل المجموعات بقدر ما تجهد لامتصاص قواسم مشتركة على صلة مباشرة بعوالم القصة القصيرة ، فهذه المجموعات تتماثل ، وتتقاطع فنيا بما يكفل مقاربتها كمنجز جمعي ، وان تباينت مستويات الأداء.
وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة المنجز في اعتماده شبه الكلي على الواقع كمرجعية ، فيما يعرف قصصيا بفن إعادة إنتاج الواقع ، بصورة تتقدمها تقريرية الواقعي فيما تتوارى إشارية الإيهامي ، ويتضاءل إلى درجة يبدو معها تدامج مستوى القصة كواقعة بمستواها ككلام ، بتعبير تودروف يعاني من اختلال يوحي بأفقين متناقضين داخل بنية القص ، فصحيح أن القصة القصيرة آخذة في الانحياز إلى شكل صريح من أشكال الواقعية ، وضمن دائرة ما يعرف بالنقدية الاجتماعية ، إنما بأسلوب يختلف كثيرا عن نمطية الكتابة القصصية التي كانت سائدة ، فانتقاد النظام الاجتماعي ، كافتراض لا تخلو منه أي ظاهرة ثقافية ، يندغم في بنية القص كبنية مستترة ، يمكن الإحساس بها ، وتلمس تأثيراتها دون استحضار حس التقريرية .
كما تسمح تلك النقدية الواعية لما يسميه غراف مقابلة الأسطوري بالواقعي ، من خلال إنهاض توازنات واعية بين العصري والقديم ، وتحريك جدلية القدامة والحداثة - أسلوبا وفكرا - وذلك باعتماد نظام لغوي قائم على الإشارية والإحالات اللاتعاقبية ، وتحطيم مقومات أسلوب الروي الخطي ، كنمط سردي قديم أو ما قبل روائي ، خصوصا عند الاقتراب من المركبات البنيوية لمزدوجة الزمان/المكان ، التي يرى ميشيل بوتور استحالة توظيبها تراتبيا للوصول بالقص إلى مستوى الصدمة الشعورية ، إذ تعمل اللغة هنا كمكون بنيوي داخل القص ، لا كفائض لفظي يسلم للقارئ مرادات الكاتب المضمونية والشعورية بسذاجة وعظية ، أو منبرية إنجيلية ، حيث تقوم أزمنة الأفعال من منظور بارث مثلا ، بمهمة تكثيف الواقع وتجميعه وربطه منطقيا ، بهندسة شعورية عفوية وصادقة ، لا بافتعال التوافق ، وقسر السياقات ، وهو ما يبدو حتى الآن مجرد مطمح تمارس معه قصتنا دربة التماس بحذر لكنها لا تطال تعالياته.
ويتسع هذا الالتباس الفني نتيجة التعاطي مع الواقع من منطلق الفرضية ، وليس من حقيقة كونه مجرة تأثير كبرى ، فهو مرجعية فنية ، وحقيقة إبداعية يصعب تجاوزها ، بل ينبغي النهل منها ، كمعطى شديد الصلابة والإيحاء ، يتيح قابليات فنية وموضوعية متعددة ومتباينة ، تؤسس بالكتابة الفنية ، عبر الاجتماعية ، لعلاقات منظمة ومفهومة بين الناس ، فالقصة ابتكار متجاوز لعلاقات جديدة بين الجماعات ، وتجديد واع ومتقصد لأنسجة وخبايا الذاكرة الجمعية ، بمعنى أن الكتابة هنا وعي يبدأ بطرح الذات ولا ينتهي عند الرغبة في إبراز الهوية ، ولكن ما يلاحظ على جوانب عريضة من المنتج هو محدودية الموضوعات المجادلة ، واقتصارها على الاجتماعي بصيغته الامتثالية ، وبشكل مبالغ فيه ، الأمر الذي يستنبت في الغالب حس الوعظية ، وطغيان صيغة النص القصصي كمنبه اجتماعي ، وهو ما يؤدي إلى حتمية نسف النظام الإشاري لكثير من القصص ، ويسمح بهيمنة الروح التقريرية ، كحدث وكلغة ، كما يرهن مجمل النص إلى بساطة الحكاية وأفقية مسروديتها إلى أدنى درجاتها الانفعالية ، حيث الحفاظ على نظام تعاقب الصور وتراتبية الزمن ، وخيطية السرد.
من هنا نلاحظ إنفقاد دينامية الرؤية ، وتسيد النمطية الحكائية لكثير من القصص ، فيما يعرف فنيا بمفهوم " القصة القوس " التي تقتصر على ذروة في منتصفها أو قبل نهايتها ، ثم تتهابط بروح تعليمية ساذجة ، يستأثر بها الراوي كممثل لأنا الكاتب/القاص ، الذي يسجل حضوره كنواة مركزية لكثير من النصوص ، ويستخدم فيها كافة عناصر القص لتأكيد ذلك الحضور ، من خلال تعطيل فاعلية الشخصيات ، والإنابة عنها في خطابية صريحة تقوم بمهمة تفسير دوافعها ، ومبرر وجودها الحياتي والفني ، الأمر الذي يسمح للحس التوصيلي الإخباري بالغلبة ، وانتفاء ممكنات الإيحاء القولية والشعورية.
كذلك يمكن الوقوف على مستوى اللغة حيث يقتصر استخدامها في أغلب النصوص كقشرة قولية ، لا كمكون بنيوي للنص القصصي ، مع العلم أن القصة ليست هي الملفوظات ، التي وان كانت جزءا عضويا وحيويا لكل نص ، إلا أنها لا تكون فاعلة ومعبرة عن شيء ما لم تندمج في سياق فني يدفعها بالضرورة نحو مستوى لساني أعلى ، فيه من مخزونات الشعور واللاشعور ، من الخبرات اللغوية واللالغوية أيضا ما يكفي لتوليد المعنى الضروري والموجب لفاعلية القصة ، وهو الأمر الذي نلاحظ نقيضه كقصور فني واضح الملامح ، من خلال لجوء بعض الكتاب إلى استخدام الصفات والنعوت بكثافة لافتة ، والاعتماد على الجملة الجازمة ، المنتهية ، اللاموحية ، وأحيانا المستقلة ، التي تلخص مرادات الكاتب المضمونية ، وتلخص سر لجوئه الى الحلول القولية الجاهزة ، دون انتباه لمجمل الخطاب .
وإذا كانت بعض النماذج القصصية تنجو بكفاءتها الفنية من بعض تلك الملاحظات ، إلا أنها تبدو أقل من أن تدفع بالمنجز إلى أفق فني متجاوز ، فمنجزنا القصصي بوجه عام يعاني من إختلالات فنية تستوجب الإجابة على مكمن التأزم المعطل لكتاب وكاتبات القصة ، والبحث الجاد عن سره ، فهو كامن إما في مستوى فنية الكتابة ، أو ربما متأت من محدودية المغامرة والحياة المعاشة ، بمعنى ضرورة معاينة الذاكرة اللغوية/الحياتية وفحص مخيالها الاجتماعي ، وان كان الفصل بين الدائرتين ضربا من التعسف الفني ، إلا انه ضرورة مفهومية لاستخلاص القصصي من الطوارئ اللاقصصية ، فضمن ذلك المدار التساؤلي يمكن تلمس إشكالية أكبر لتقنية أهم قوامها غلبة البنية الشكلية على البنية الدلالية للقص ، وهي المعضلة الأصعب في منتجنا القصصي ، فالبنية الدلالية كمؤشر لوعي وذاكرة الكاتب ، وفاعليته الحسية والفنية ، جديرة بالدراسة باعتبارها روح العمل القصصي العاكسة لدربته وخبرته الكفيلة باستحضار تلك الدلالية بكفاءة في النص القصصي.
وهذه البنية الدلالية المهمشة في كثير من منجزنا القصصي تغيب نتيجة استنساخ نماذج قصصية جاهزة من مرجعيات عربية ، دون استيعاب لبناها العميقة ، إذ يلاحظ انتحاء القاص أو القاصة لمماهاة البنية الشكلية ، والانصراف عن تفعيل مكونات النص الدلالية ، اكتفاء بمستوى من الإخبار القائم في أغلب الأحيان على تفصيح الشفاهي ، وما يدور كحكايا يومية على ألسنة الناس ، بمعنى اللهج بتناقضات الحاضر ، والانصراف عن التاريخي والميثولوجي ومتاهات الذاكرة ، التي هي على الدوام بحاجة إلى حفريات عمودية وأفقية للوصول بها إلى جوهرنية شعورية ومفهومية ، يكون القص أحد تمثلاتها.
وذلك التنازل إنما يتمثل في منجزنا كتأييد ضمني وعلني للروح المنبرية المؤسسة على حس الوعظ والتقويم وتعقيم الآخر أو رفضه ، وكافتتان فني بفاعلية السرد المراهن على مفاجأة القارئ بنهايات معلومة ومعرّفة ، مكتملة التشكل خارج سياق القص ، وبل منمذجة عبر شخصيات ، فيما يمكن رده إلى سيطرة الروح الإخبارية ، وبساطة الحبكة التي لا ترقى إلى مستوى الخطاب بمعناه الاصطلاحي ، ناهيك عن ضعف الوعي بأهمية الحوار كمعادل مرآتي لفنية ومضمونية النص القصصي ، وبوظيفة الشخصيات ، التي غالبا ما تتم نمذجتها ، والإنابة عنها او استعارة أصواتها ، وهو ما ينحى بالنص إلى النوستالوجيا ، أو الرغبة في تجسيد هموم ذاتية بسيطة ، وبالتالي الدفع بالنص القصصي إلى حافة الحكاية الفارغة والمفرغة من فاعلية الحس الزمني كعنصر بنائي يسيل على كافة عناصر القص ويؤثر فيها بشكل تفاعلي.
ورغم كل تلك العثرات الضاغطة ، إلا أن بعض الذوات المهمومة برثاء حالها ومآلها قصصيا تبدو مهيأة للتماس بالموروث كمادة وروح ، وباللغة كمختبر يؤسس به الكاتب وفيه وعيه القصصي ، حيث تتبدى محاولات محترزة ، تعتمد على ما تسميه كريستين بروك - حداثيا - بآليات المحو والكتابة ، بمعنى العودة إلى زوايا أو محطات منتقاة من موروث الأمة أو الجماعة الروحي والمادي ، الزماني والمكاني ، والاستحواذ عليها ، ثم إعادة إنتاجها ، أو تركيبها برؤية عصرية أو كولاجية ، تجهد لتذويت التاريخ والموروث ، فيما يمكن اعتباره إعادة إنتاج لمركبات المنظومة القيمية من منظور ذاتي ، يتبدى من خلاله كفاءة القاص ووعيه وحساسيته ، وبالتالي قدرته على استلهام الزوايا الحفية من الموروث ، واعادة تنشيط الخامل والمتواري من الذاكرة ، وتتم تلك الاستعادة بلغة هي الممر الحيوي والضروري ، لقصة لا تكون فيها اللغة عنصرا خارج القص ، أو مجرد قشرة قولية أو ملفوظات قاموسية ، فهي المكون البنائي الأهم لأي قصة. |